تحميل تطبيق المدونه

الثلاثاء، 31 أكتوبر 2017

إستعمار العقول



تدور حوارات بين العرب والغرب، ومازال الحوار مستمرا، ولكن المسافة الفاصلة بين العرب والغرب الأوروبي والأمريكي مازالت متسعة. ولعلنا نسأل في البداية لماذا نتحاور؟ وهل الحوار وسيلة أم غاية؟ حتى نعرف دلالة تجربة الحوار ونتائجها على أرض الواقع. ولا يمكن أن يكون الحوار غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة. والحوار بين العرب والغرب، هو حوار منظم ومؤسسي، ولذا فهو ليس مجرد ممارسة اجتماعية، بل هو ممارسة سياسية وثقافية في المقام الأول، ولهذا نرى أن هذا الحوار هو وسيلة، فما الغاية من وراءه؟


من الممكن رصد العديد من الغايات المفترضة للحوار، ومنها على سبيل المثال، هدف التعارف. وربما يكون هذا الهدف أوليا أو بسيطا، ورغم ذلك قد يكون أهم الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال الحوار. ولكن معنى التعارف أن يهدف الحوار إلى فهم كل طرف للآخر كما هو، وهو ما يمكن أن يتم عن طريق العديد من الوسائل الأخرى مثل الدراسة أو البحث أو المعايشة، ويظل الحوار وسيلة جيدة للتعارف. ونسأل هنا، هل الحوارات التي تتم بين العرب والغربيين تهدف إلى التعارف المتبادل والمتوازن؟ ربما يكون هذا هو الهدف أحيانا، ولكن جدول أعمال الحوارات يشير في الغالب إلى هدف متحيز للتعارف، حيث يريد الغرب معرفة موقعنا على معاييره الخاصة وقيمه الاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي هذه الحالة لا يكون التعارف موضوعيا، بل يغلب عليه التحيز المعرفي، وبالتالي لا يؤدي إلى معرفة العرب وثقافتهم وحضارتهم.


وهنا نسأل لماذا يكون الحوار بهدف معرفة الغرب للعرب والمسلمين، أكثر من كونه تعارفا متبادلا؟ ويبدو أن الحوارات تقوم أساسا على فرضية أن الغرب أساء فهمنا، ومن خلال الحوارات يمكنا تعريفه بنا. والمراد أن يعرف الغرب أننا متحضرون مثله. ومن الجانب الآخر، نعرف نحن كعرب أن الغرب ليس شريرا أو معاديا لنا. ربما تكون تلك هي الصورة الأولى للحوارات الجارية. وفيها نرى أن الهدف من الحوارات يتركز على تجاوز مقولة الصراع بين العرب والمسلمين من جانب والغرب من الجانب الآخر.


وهنا يمكنا مواجهة أهم أهداف الحوارات، وهو تجاوز حالة الصراع، ولكن الحوار كبديل للصراع، يعني التفاوض حول أسس العلاقات الدولية. وعليه يلزم أن يهدف الحوار لوضع أسس عادلة ومتبادلة لحل الصراعات الدولية، وواقع الحال أن عشرات الحوارات الجارية، لم تؤثر على الصراعات الدولية، حيث تزايدت الهجمات الغربية على الأمة العربية والإسلامية. وهنا نلاحظ أن الحوار غالبا ما يتم بين نخب بعيدة عن مجال صنع القرار، وبعيد عن التأثير الجماهيري.


ومن المهم هنا ملاحظة أن الحوار لا يغير طبيعة المصالح الدولية، خاصة مصالح الدول الغربية في المنطقة العربية والإسلامية. فالصراع لا يحدث بين الدول نتيجة سوء الفهم، بل يحدث في الواقع نتيجة تعارض المصالح. وعندما تتبلور مصالحنا في التحرر السياسي والحضاري والثقافي، تكون بذلك مصالحنا متعارضة مع أي محاولات للهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية، وهنا يحدث الصدام. والحوار لا يغير مصالح الغرب، والتي تقوم على أهمية قيادة العالم، وعولمة النظام الحضاري والسياسي الغربي، وفرضه على مختلف دول العالم.


والحقيقة أن الكثير من الحوارات يتم بين النخب العلمانية الليبرالية الغربية، والنخب العلمانية الليبرالية العربية، أي وكلاء الغرب الثقافيين، أو المارينز العرب. وتلك الحوارات تهدف إلى نشر القيم الغربية، والتأكيد على إنها قيم عالمية، وهو نوع من العولمة للقيم الغربية، يهدف في نهاية الأمر إلى فرض الهيمنة الغربية حضاريا على المنطقة العربية والإسلامية. وكثيرا ما تتم حوارات تهدف إلى أثبات أن الإسلام جاء بقيم تماثل القيم الغربية. ومرة أخرى يكون الحوار على محك المعايير والمصالح الغربية، وليس حوارا متبادلا بين طرفين على قدم المساواة.


وهناك العديد من الأمثلة على حوارات تهدف إلى التقريب بين الحضارات، وهي تدور حول محاولة استخراج القيم الغربية من الحضارة العربية الإسلامية. وهنا أيضا نكون بصدد حوارات تهدف إلى فرض الهيمنة الحضارية الغربية. وأحيانا ما تهدف الحوارات لتأكيد أن العرب والمسلمين ليسوا شعبا شريرا أو متخلفا، ومرة أخرى يتحقق ذلك من خلال التأكيد على أننا لسنا أقل تحضرا من الغرب، ولكن على معاييره الحضارية الخاصة به. ومثل هذه الحوارات تفتقد للمعايير العادلة المتبادلة، وتفتقد في الواقع لهدف المعرفة غير المتحيزة. فإذا أراد الغرب معرفة حضارة العرب والمسلمين، يكون عليه معرفة تلك الحضارة في حد ذاتها، دون أي نظرة استعلائية أو عنصرية.


ولكن المؤسسات الغربية الثقافية أو البحثية، لا تهدف في الواقع لمعرفة الحضارة العربية والإسلامية، بل تهدف إلى تغييرها كهدف نهائي لها. ولهذا يأتي الحوار في سياق مشروع سياسي غربي للهيمنة على المنطقة، تحت دعاوى تروج لتفوق الحضارة الغربية في طبعتها العلمانية الليبرالية على ما عداها من الحضارات


وإذا أردنا ممارسة الحوار، ووضع جدول أعمال له يتفق مع مصالحنا، وفي نفس الوقت يكون متوازنا وعادلا، سيكون علينا جعل الحوار وسيلة للتعارف بين الحضارات، بهدف التأكيد على التعدد الحضاري، وأهمية بقاء هذا التعدد، لأنه تعبير عن واقع تاريخي وجغرافي. وهنا يجب التركيز على حقيقة أن العالم متعدد الحضارات عبر كل تاريخه، وأن هيمنة حضارة ما على العالم هو نوع من الاستعمار، وهو أسوأ من الاستعمار العسكري، لأنه استعمار للعقول

فريق مصر أم الكون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رحلة القطار 5

  لبرهه كانت كل علامات الإرتباك والخوف تظهر على ملامح وجه أنجى ونظرت نحو الصوت فكانت مفاجئتها أن محدثتها هى مديحه صديقتها   أخص عليكى خض...