تحميل تطبيق المدونه

الأربعاء، 7 أغسطس 2019

كنت نائباً لرئيس مخابرات مصر



ليعلم الله كم بذلت من مجهود شاق ومضنى على مدار يومين كامليين ليكون هذا الكتاب أمامكم قراءه أون لاين مع الأعتذار عن أى أخطاء نتيجة ردائة برامج التحويل

كنت نائبا لرئيس المخابرات عبدالفتاح أبو الفضل

مقدمة الطبعه الثانيه

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في إبریل ۱۹۹۸ وفي ۱۲ سبتمبر ۱۹۸۹ وصلني خطاب من السفير محمد عبده حسنين مخلوف لأنني ذكرت في كتابي هذا مآثر والده الأستاذ مخلوف مدرس اللغة العربية والدين بمدرسة الخديوية الثانوية ، ومآثره على طلابنه في الوطنية والأخلاق وإنني أعيد شكري وامتناني وتقديري واحترامي للأساتذة الأفاضل الذين شربنا منهم الحرية والوطنية وحقيقة ثورات مصر المتتالية مما حدا بي أن أغوص في بحر هذه الثورات التي قام بها شعبنا العظيم في جميع العصور ضد الطغاة والمستعمرين الأجانب وشجعني بكلماته «أن تكون فترة تأملي التي جاءت تحت صورتي في آخر الكتاب مجالا لبحث أو دراسة أو مذكرات أخرى»، ووفيت بوعدي وصدرت لي سلسلة في تأملات في ثورات مصر بدءا مقاومة الحملة الفرنسية والصحوة المصرية في عهد محمد علي والثورة العرابية وثورة ۱۹۱۹ وثورة ۲۳ يوليو ۱۹۵۲ وهي الثورة التي عاصرتها وعملت بها فجاءت في جزئين. وكتب الأستاذ محمد صالح في مجلة حواء بتاريخ ۱۹۸۹ 
/ ۷ 
/ ۱۹ ذاكرا أنه پری أن أهم وأخطر جزء من هذه المذكرات ذلك الذي يتعلق بالسودان وبالفعل صدر لي کتاب «مصر والسودان بين الوئام والخصام» . وكتب الأستاذ فيليب جلاب في جريدة الأهالي ۱۹۸۹ 
۷ 
/ ۹ معلقا على ما ورد من أحداث في الكتاب وتعرض لما جاء في الكتاب قائلا «وأغرب ما يرويه عبد الفتاح أبو الفضل في ثنايا الكتاب ما يتعلق بشخصية السيد محمد حسن التهامي في عهود الملك فاروق والرئيسين عبد الناصر والسادات سواء في الحرس الحديدي أو تسجيل مكالمات الرئيس عبد الناصر نفسه أو كمبعوث للرئيس السادات في 
المفاوضات مع مندوبي إسرائيل» ولقد جاء في كتاب المرحوم الأستاذ الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين «حوارتي مع السادات» أن السيد عبد الفتاح أبو الفضل نائب مدير المخابرات المصرية السابق ذكر في كتابه اتهاما بالشك في علاقة بين التهامي والمخابرات الأمريكية ورد عليه السيد حسن التهامي بخطاب عفيف في مجلة المصور بأن بهاء الدين من أسباب هزيمة ۱۹۹۷ وأخذيهدده بأخذه بالمطرقة والسيف
ورد أحمد بهاء الدين عليه في المصور «أنه لم يرتكب ما يستحق عليه الضرب بالسيف لأنه أخذ هذه المعلومات عن كتاب للسيد عبد الفتاح أبو الفضل . وكان الأولى بالسيد حسن التهامي أن يطلب السيد عبد الفتاح أبو الفضل للمبارزة خاصة أن أبو الفضل ضابط ورجل سیف». 
وحيث إن هذا الكتاب الأول من نوعه لما جاء فيه من أحداث تجربة مصر للعمل في حقل المخابرات وأعمالها بل أول تجربة عربية في هذا المجال الذي كانت ممارسة هذه الأعمال مقصورة في نشاطات أعمال الدول العظمى الغربية فقط، ولذلك تناولت الصحافة المحلية والعربية التعليق على هذا الكتاب ولذلك وجدت من اللازم أن تحوي الطبعة الثانية كل ما قيل عن هذا الكتاب وما أثاره من موضوعات
كما أني تعمدت أن أستكمل نبذة عن العمل في الجهاز السياسي الثوري «الاتحاد 
الاشتراكي» ودوره في العمل الوطني العام كما عاصرته ومارست العمل العام فيه
كل ذلك جزء من المتابعات التي أثارتها الطبعة الأولى وإلى لقاء حميد مع الطبعة 
الثانية بإذن الله
هذه المذكرات: لماذا؟ 
عند ظهر يوم 7 يونيو سنة ۱۹۹۷، ثالث أيام العدوان الإسرائيلي، وصلت إلي بور سعيد لأتولى قيادة المقاومة الشعبية هناك بعد انسحاب عشوائي للجيش المصري من سيناء ودون أي اشتباك جدي مع الجيش الإسرائيلي
ومنذ بدء العدوان في 5 يونيو عاصرت حالة الفوضى التي أصابت الجيش المصري سواء وأنا على الطريق من القاهرة أو في مركز قيادة القوات المسلحة في الإسماعيلية أو عندما شاهدت المعدات المحترقة والرجال القتلى والمصابين على الطريق بين القنطرة والإسماعيلية، نتيجة تضارب أوامر قيادة الجيش بالانسحاب ثم بالعودة من وإلى سيناء


وصلت إلى بور سعيد وأنا في غاية الإحباط وتوجهت مباشرة إلى مقر قوات الحرس الوطني التي كانت تحت قيادة الزميل العقيد جمال السيد إبراهيم وكانت تمثل قوات المقاومة الوحيدة هناك. كانت قواته خليطا من الرجال من مختلف الأعمار والمهن، فمنهم كبار الموظفين والعمال والطلبة والتجار وعمال البحر فضلا عن عدد من شباب اليونانيين، وكان القائد ورجاله في حالة معنوية مرتفعة وكانت علامات التصميم على الصمود، وعدم الاستكانة للهزيمة واضحة على وجوههم التي كانت تعبر عن الاستهانة بالحياة في سبيل الدفاع عن بلدتهم بور سعيد

أعادت هذه المعنويات المرتفعة الثقة إلى نفسي وأزالت عني تماما حالة الإحباط 

التي انتابتني وأنا في الطريق إليهم
تولیت قيادة الحرس الوطني، وبعد مدة تمكننا من تكوين مقاومة شعبية بعد أن 
حصلنا على السلاح والذخائر

وعندما وقفت وحاربت قوات المقاومة الشعبية والحرس الوطني وخلفها فصيلة صغيرة من قوات الصاعقة في معركة رأس العش أثبتت هذه الفئات من الشعب المصري قدرتها على الصمود وتحقيق النصر

وفي صباح اليوم التالي لمعركة رأس العش الليلية خرج الشعب البورسعيدي بأكمله يحتفل بالنصر ملتفا حول المقاتلين من رجال المقاومة وجنود وضباط الصاعقة المصرية وقامت السيدات بغسل المدرعات لإزالة غبار المعركة إمعانا في تكريم أبنائهن المقاتلين
في هذه اللحظة بالذات راودتني فكرة تسجيل ذكرياتي ومشاهداتي کشخص 
.عاصر منذ الطفولة كثيرا من الأحداث السياسية
وبعد عودتي من بور سعيد بأيام ، بعد النصر في معركة رأس العش کنت أزور شقيقتي وكان أولادها الشبان من طلبة الجامعة مجتمعين في غرفة مجاورة مع زملاء لهم. طلب مني أولاد شقيقتي أن أجتمع بزملائهم بعد أن علموا بوجودي وأنني كنت أقود المقاومة الشعبية في بور سعيد، بالإضافة إلى عملي كواحد من قيادات العمل السياسي بالاتحاد الاشتراكي
لاحظت منذ بداية الحوار مدى تحفزهم وسخطهم من النتائج التي وصلت إليها 
مصر بهذه الهزيمة . وبهذا الحجم. طلبت منهم أن يعبروا عن أنفسهم سواء على شكل أسئلة أو استفسارات أو تعليق على أن يتركوا لي التعليق والإجابة في النهاية . وكانت جميع أسئلتهم وتعليقاتهم مرآة عكست بصدق مدى شعورهم بالمرارة والسخط والإحباط والضياع، وأنهم كانوا ضحية التغرير بهم من القيادات السياسية. وشعرت أن هذه الهزيمة كادت أن تصل بهم إلى حالة اليأس ، وهي أخطر الحالات التي تصاب بها الشعوب وبخاصة فئات الشباب
وجاء دوري في الحوار، وحتى أعيد إليهم التوازن النفسي قمت بشرح معركة رأس العش والتي قام بها شباب وشيوخ مصر من المتطوعين والجنود أمام قوات إسرائيل المزهوة بحلاوة النصر
وضربت مثلا آخر بعملية إغراق السفينة الإسرائيلية الحربية «إيلات» على أيدي 
عدد قليل من جنود البحرية أبناء مصر. هم طاقم زورق طوربيد صغير


وأردت أن أختم حديثي بكلمة تشجيع فقلت لهم إن البركة في شباب مصر 
التحقيق ما يبدو لنا الآن أنه مستحيل.. 
رد أحدهم بتلقائية صادقة «إن من خرب مصر عليه أن يحقق النصر ثم على الشباب بعد ذلك وليس قبلها أن يتولى استئناف المسيرة وإن جيلكم (يقصد جيلي) هو الذي تسبب في الهزيمة فعليكم إزالة هذا العار أولا قبل أن تطلبوا منا أي عمل» . 
وتبعه شاب آخر قائلا «أرجو ألا يتولاك كمسئول سیاسي ومن النظام أي شك أو تفكير بأن مطالبة الشعب - بعد تنحي عبد الناصر بالتمسك به وبنظامه تأیید له ، ولكنها مطالبة بتصحيح الأخطاء وإزالة الهزيمة وعلينا کشباب بعد ذلك أن نتولی المسئولية. وإن ما عبر عنه زميلي بأن الذي خربها هو الذي يجب أن يصلحها هو تعبیر صادق لموقف شعب مصر كله برغم ما شاب ذلك من مظاهر راقصة مخجلة من أعضاء مجلس الشعب ). 
وكان ردي كلامك مطابق للحقيقة ولذلك كان في قبول عبد الناصر ونظامه المسئولية والاستمرار في العمل العام لإزالة آثار العدوان أبلغ دليل على أن جيلنا لا زال في الميدان ليصحح الأخطاء وسوف يتحقق النصر على الرغم من أننا خسرنا معركة، وسواء أردتم أم لا فإن الشباب سيشارك في إزالة هذا العار لأن المعركة القادمة كأي معارك مضت، عمادها هو الشباب شباب الجيش وشباب العاملين وأننا لم ننکسر بدليل هذا التعبير الصادق عن تصميم الشباب الذي جاء على ألسنتكم حالا» 
وبعد هذا اللقاء مباشرة صممت على ضرورة كتابة هذه المذكرات
لقد عایش جيلي الاحتلال البريطاني وكفاح الشعب والفرقة الحزبية التي أجلت الجلاء والاستقلال لمدة سبعين عاما، وحرب فلسطين، وما سببته نتائجها من مرارة للضباط الشبان الوطنيين، والإعداد للثورة ثم الثورة فالجلاء، وضغوط الدول العظمى في ظل استقلالنا الوطني، ومحاولة إدخالنا في دوائر التبعية ومناطق النفوذ، والتي انتهت بهذه الهزيمة، كل هذا أصبح من الواجب تسجيله للأجيال بعدنا حتى لا تتوه الدروس في خضم مرارة الهزيمة أو ضمن أفراح السلام. | 


وقد قمت بتسجيل ذلك كله بعد أن قام جيلي ونظام ثورة ۲۳ يوليو بالتحضير 
للعبور في أكتوبر سنة ۱۹۷۳
هذا التسجيل اعتبرته وديعة يجب أن أردها لأصحابها من شباب الأجيال اللاحقة لجيلنا سواء الذين قهرتهم هزيمة ۱۹۹۷ وطالبونا باستئناف الكفاح ليتسلموا منا البلاد كاملة السيادة، أو من أجيال الشباب القادمة وبذلك يمكن أن يطلعوا على كفاح الفرد المصري عندما يريد لأمته الحياة
وهذه المذكرات محاولة لتسليط الأضواء علي جميع مراحل حياتي كمصري في مواجهة أحوال مصر، منذ كنت صبيا بالمرحلة الابتدائية إلى أن جعلني قدري أقوم بدور وطني متواضع في التحضير للثورة، وأشارك في الكفاح مع جيلي من طلبة المرحلة الثانوية وما خالجني وخالج جيلي من الشباب أثناء الدراسة بالكلية الحربية ، والأحداث السياسية في هامش المرحلتين، وخلال تفكيرنا فيها وحكمنا عليها . ثم أحداث الحرب العالمية الثانية وتأثيرها على مقدرات مصر وأنا ضابط في الجيش المصري. ومدى انعكاس السيطرة البريطانية على الجيش المصري كذلك سجلت فيها معركة فلسطين وملابساتها من وجهة نظر المقاتل في الجبهة، والمعارك التي خضتها في أراضي فلسطين، ومدى تجاوب شباب المقاتلين مع نداء الوطن والعروبة، وما صاحب ذلك من فساد القادة السياسيين وعجز القادة العسكريين. مما عجل بالتحضير للثورة
رویت أيضا في هذه المذكرات عن التنظيمات الوطنية بالجيش بعد حملة فلسطين وما كنا نتداوله في اجتماعاتها عن أحوال البلاد. وسجلت أيضا أحداث ثورة ۲۳ يوليو، وقيامي بالخدمة في المخابرات، والدور الذي قمت به مع الضباط الوطنيين في هذا الجهاز من أعمال، أدت إلى النهوض به ليصبح واحدا من أكفأ الأجهزة في العصر الحديث برغم بعض المآخذ التي لا يخلو منها أي جهاز مخابرات في العالم
وبعد ذلك سجلت تحليلا لأحداث العدوان الثلاثي والكفاح الشعبي المسلح في مواجهته حيث شاركت في هذا الكفاح. وأخيرا سجلت معالم السلبيات في داخل أجهزة الدولة والتي كانت السبب الرئيسي في هزيمة معركة ۹۷ ودور المقاومة الشعبية في بور سعيد وكنت بالإضافة إلى قيادتي لها عضوا بالأمانة العامة للاتحاد 



الاشتراكي العربي أمارس من خلالها الخدمة العامة . لذلك قمت بتسجيل الاتحاد الاشتراكي كجهاز سياسي في فترة من أدق فترات التطور السياسي والاجتماعي في مصر حيث كانت تجربته مجال جدل داخلي و خارجي انتهت بتحول البلاد إلى نظام تعدد الأحزاب السياسية لتمثيل اتجاهات عقائدية مختلفة في ظل انفتاح اقتصادي سلبياته أكثر من إيجابياته
وتلزمني كلمة حق إزاء ما قيل أو اتبع أو نشر عن بعض الفساد الذي تناول جهاز المخابرات المصري في فترة من الفترات حتى أصبحت كلمة «المخابرات» - إذا قيلت في أي وسط کان سواء في مصر أو في أي قطر عربي - تثير الرعب والاشمئزاز والكراهية مع استمرار هذه النظرة السيئة عن هذا الجهاز إلى الآن. وبالتالي شعرت بضرورة توضيح دور المخابرات الحقيقي كجهاز وطني قام بأعمال مشرفة وهي الأصل. أما أي مآخذ أو شوائب، فما هي إلا مجرد عوارض شاذة بوسعنا الحد منها
ومن الظواهر الشاذة في بلدنا أن عناصر من المثقفين، علماء وأدباء وكتاب وصحفيين، تزعمت حملة التشويه ضد هذا الجهاز لدرجة المناداة بإزالته من الوجود واستبعاده تماما من أجهزة الدولة
وكمبدأ عام يجب أن نعترف بأن فكرة إزالة أو إلغاء أو استبعاد جهاز المخابرات من أي دولة لمجرد انحراف بعض أفراد أو أقسام منه هي فكرة خاطئة، لأن الأوضاع السليمة والمثلى تقضى ببتر الفساد أو الانحراف لا إزالة الجهاز نفسه نظرا لشدة الحاجة لجهاز المخابرات في أي دولة صغيرة كانت أو كبيرة لتحقيق أمن الدولة الداخلي والخارجي
محمد عبد الفتاح أبو الفضل 



وكانت النشأة 
النشأة 
ولدت في ۲۸ إبريل سنة ۱۹۲۱ بحلوان الحمامات من ضواحي القاهرة والوالد من مواليد سنة ۱۸۸۲، وكان مهندسا معماريا بدأ حياته بقريته صفط الملوك مرکز إيتاي البارود مديرية البحيرة، وبدأ تعليمه بكتاب القرية لحفظ القرآن الكريم. ثم نزح إلى القاهرة بداية من التعليم الابتدائي ليقيم في منزل في السيدة زينب يضم جميع شباب وأطفال العائلة الذين يدرسون بالقاهرة وكان يشرف على هذا المنزل عم الوالد. وقد درس والدي الهندسة ثم التحق بالعمل مهندسا بالري المصري بالسودان وعندما عاد إلى القاهرة مارس العمل الحر كمهندس وخبير لدى المحاكم الأهلية، وبجانب عمله الهندسي كان يقوم بتدريس العلوم الرياضية لطلبة الأزهر الشريف
أما والدتي فقد حصلت على التعليم اللازم للقراءة والكتابة والحساب في إحدى مدارس الأقباط بحي الناصرية القريبة من منزل والدها بعابدين. هذا المنزل الذي كانت تقيم فيه أسرة الجد كلها بما فيها أسرتنا وكان المنزل بشارع البرموني رقم 6 بحي عابدين. ويقيم في أحد الطوابق الخال الكبير الدكتور على راشد الذي أنتم تعليمه بقصر العيني ثم تخصص في كلية طب فرنسا. والخال الأصغر أحمد يحيي راشد المحامي يقيم في طابق آخر من المنزل مع الجد للوالدة يحيي راشد، والجد كان يعمل موظفا بوزارة الأوقاف. ويملك مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية . وكان الخال الأصغر أحمد يحيي راشد أثناء دراسة الحقوق يجلس مع خاله الأصغر حسن ممیشن أمام منزل خاله ، خلف الحرس السلطاني، عندما مر موكب السلطان حسين وتعمدا ألا يقفا احتراما للسلطان أثناء مروره عليهما لأنهما في ذلك الوقت كانا يمثلان الطبقة المتنورة، وكلها كانت تمقت السلطان حسين الذي جاء على أثر خلع 



الخديو عباس، والذي كان محبوبا من الشباب والشعب لمواقفه ومساندته للحركات والزعماء الوطنيين في كفاحهم ضد الاستعمار البريطاني. واعتبر السلطان في تصرفهما هذا إهانة له
واستفسر عمن يكونان وأمر برفتهما من مدرسة الحقوق الحكومية ، فالتحقا بأول جامعة أهلية بكلية الحقوق جامعة فؤاد (الملك فؤاد .. ثم جامعة القاهرة) أما الجدة من ناحية الوالدة. فقد كانت تقيم بشقة صغيرة أعلى المنزل مع حفيدتيها من بنتيها المتوفيتين. وأسرتي تقيم في الدور الأول
كان للمنزل حوش كبیر به فسقية ويطل عليه مندرتان إحداهما يقيم فيها سائق العربة الحنطور التي يمتلكها خالي الدكتور والأخرى يقيم فيها زميل جدي من الطفولة الجاح محمد جنید الشهير بالحاج محمد زغزغ، حيث كان وهو طفل بقرية الأسرة صفط الملوك عندما يأكل الذرة المشوية يفرك الكوز بیده بما يشبه (الزغزغة) ويضع ما يفركه في كف يده، ثم يضعه في فمه ومن ثم أطلق عليه زغزغ وكان الجاج محمد جنيد في سن مقارب لسن الجد، وإن لم يتعلم بالمدارس. وحضر إلى القاهرة ليزامل الجد في كل شيء وكان يقوم ببعض الخدمات الخاصة بالجد. ومقابلة ضيوفه ويحضر جلساته مع أصدقائه في الشتاء داخل المندرة مع المنقد (دفاية) أو على الرصيف أمام المنزل في الشارع بعد عصر أيام الصيف وبعد رش الشارع بالمياه للترطيب أمام الجلسة التقليدية . وكان المنزل يواجه جامع الخلوتي، ويتولى الحاج محمد جنید (زغزغ) خدمة هذا الجامع تطوعا ويواظب على صلاة الجماعة في مواقيتها، وهو الذي يجهز الجامع للصلاة عند الفجر كما كان يقوم بتوصيل أطفال الأسرة كلها إلى المدارس ويعود بهم وكنا كأطفال ننجذب إليه حيث كان يعد لنا شراب القرفة في مندرته. وأثناء الشراب كان يحكي لنا ذكرياته عن ثورة عرابي. حيث كان أحد جنود جيش عرابي أثناء الثورة واشترك معه في معركة كفر الدوار وحج إلى بيت الله الحرام عدة مرات
وعيت على نفسي طفلا صغيرا يرسلونه إلى كتاب الشيخ زكي بقنطرة سنقر ملحق بجامع الشيخ جنبلاط) بالقرب من المنزل يصحبني صديق الطريق الحاج محمد زغزغ في الذهاب والإياب وكان هذا الكتاب داخل سبيل جامع جنبلاط وبه دكك خشبية لها أدراج في ثلاثة صفوف كل صف خاص بسنة من سنوات الدراسة الثلاث
۱۹ 



وفي سن الخامسة التحقت بمدرسة أولية يطلق عليها مدرسة بشير أغادار السعادة . وقف المدعو بشير أغا بشارع درب الجماميز، والذي كان يوازي شارع الخليج المصري وكانت المدرسة أيضا قريبة من المنزل والتحقت بهذه المدرسة سنتين وأتقنت الكتابة والقراءة ومبادئ الحساب مع حفظ بعض آیات القرآن الكريم
وفي سن الثامنة التحقت بالمدرسة المحمدية الابتدائية بالحلمية الجديدة. وأتذكر وأنا بالسنة الثانية بالمحمدية الابتدائية في أحد أيام الخميس وكنا نسمع المحفوظات المدرس اللغة العربية الشيخ عاشور، وكان نشيدا وطنيا له وقع موسيق جمیل 
اسلمي يا مصر إنني الفدا ذي يدي إن مدت الدنيا يدا». | 
وإذا بنا نفاجأ بصوت موسيقي الجيش تصدح تحت نوافذ الفصل. أطل الشيخ عاشور من الشباك وبصوت جهوري وبعصبية وجدناه يهتف «يسقط الإنجليز» تركنا مقاعدنا وتجمعنا بجواره ننظر من الشبابيك. وإذا بطابور من جنود الجيش البريطاني يمر في الشارع، تتقدمه فرقة موسیقی ويسير الجنود على نغماتها والشعب مصطف بالرغم منه - على جانبي الشارع وبعد أن انتهى الموكب مختلطا بهتاف وغضب شيخنا الجليل عاشور عدنا إلى أماكننا والشيخ عاشور ينهج من الانفعال والغضب عدنا ونحن ننظر بإعجاب وتقدير لأستاذنا دون أن نفهم مصدر هذا الإجلال
هذه الواقعة استمرت في مخيلتي طوال اليوم الدراسي وفي طريق العودة إلى المنزل بمصاحبة الحاج محمد زغرغ، وأجريت معه حوارا ممتعا سعدت به مع رفيق الطريق، بعد أن رویت له ما حدث في الصباح، وكل ما كان يهمني هو سؤاله عن سبب هتاف الشيخ عاشور بسقوط الإنجليز وخروجه علی وقاره المعهود أمامنا في الفصل واستفسرت منه عمن يكون الإنجليز ولماذا يلعنهم الشيخ عاشور . أجابني الحاج محمد زغزغ بأبسط الكلام وهو «أن هؤلاء الإنجليز هم جنود دولة معادية اعتدت على أرض مصر واحتلتها بمعاونة حاكم البلاد الخائن الخديو توفيق».| 
أما سبب هتاف الشيخ عاشور فلأنه يستصرخ أهل بلده ليتنبهوا للص الذي 
يسرق بلادهم ! » . 
وصلت إلى المنزل على وعد من الحاج محمد أن يروي لي باقي قصة عرابي كلها 
وحروبه ضد الاحتلال وكفاحه ضد الخائن الخديو توفيق
عدت وأنا متشوق لإجراء حوار مع الوالد الذي كثيرا ما كان يروي لي وللأشقاء 
۱۷ 



والشقيقات قصصا من القرآن الكريم بأسلوب في غاية التشويق وجلست إلى الوالد في حجرته بعد الغداء ورويت له قصة الشيخ عاشور وهتافه ضد الإنجليز وتعليق الحاج محمد عليها وسألته «لماذا يا أبي في الوقت الذي يكره فيه الشيخ عاشور والحاج محمد الإنجليز فإن بعضا من الشعب المصري على جانبي طريق موكب الإنجليز بالموسيقى يصفقون؟ ولماذا أغلبهم لا يصفقون وينظرون إلى المشهد بغير اكتراث ولا مبالاة؟» وكان رده الذي لا أنساه «ياولدي إن العلم أساس الحياة في هذه الدنيا لذلك عندما أنزل الله سبحانه وتعالى رسالته على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بدأ هذه الرسالة الكريمة بالأمر بالعلم والتعليم والقراءة واقرأ باسم ربك الذي خلقه فالواقعة التي حضرتها اليوم يا ولدي يتفاوت رد فعلها باختلاف المواقف في مواجهتها وكلها تعود إلى درجة العلم لكل فرد من المصريين الذين شاهدوا الموكب بموسيقاه المثيرة». . 
درس لا ينسى 
أما عن الجد فكان رجلا مهابا مع خفة ظل، وهو محور الأسرة كلها يكاد يكون ممسكا بعجلة قيادة المنزل. يوميا ومن بعد صلاة العصر يعقد جلساته مع جمع من أصدقائه وأهل الحي الذين يواظبون على الصلاة في جامع الخلوتي. وفي فصل الشتاء يجتمعون في مندرة الحاج محمد زغزغ الذي يقوم بتحضير المشروبات الساخنة كالقرفة ، أما صيفا فيجتمعون على الرصيف أمام المنزل بعد رش الشارع بالمياه للترطيب وتقدم المشروبات الباردة كالسوبيا والليموناده. وكثيرا ما كنا كأطفال نتسلل لنأخذ أماكننا وسط جلسة الجد ونحصل على نصيبنا من المشروبات اللذيدة ونستمع إلى أحاديثهم عن الدين وعن الحركات الوطنية وعن الوفد المصري وسعد زغلول وصحبه الذين قاموا وكافحوا ضد المحتل البريطاني، علاوة على بعض القفشات المضحكة
عشت طفولتي وشبابي وجزء من رجولتي في منزل الأسرة بعابدين . ويعتبر حي عابدين حي الطبقة المتوسطة من أبناء الموظفين باستثناء سراي عبد الرازق بشارع باب باريس (خلف قصر عابدين) وهي أسرة ثرية كان لها دور كبير في العمل السياسي والحركة الوطنية في مصر. كذلك كانت في نفس شارعنا سراي إدريس باشا راغب، وبالقرب من شارعنا كان سراي أسرة أبوجبل ومقر إبراهيم باشا 
۱۸ 




خليل. ومتاخم لحي عابدين حي الحلمية الجديدة وكان بها قصر تیموروقصر توفيق نسيم. وكان بنفس حي الحلمية الجديدة مدرستي الابتدائية ، المدرسة المحمدية وملعب كرة قدم خلف المدرسة الخديوية الثانوية، وكان أيضا هناك حوش القربية يتدرب فيه كل يوم خمیس فرسان وموسيقى الحرس الملكي ونراها صباح كل يوم خميس تمر بين مباني الحرس الملكي بجوار قصر عابدين إلى حوش القربية . وبالقرب من المنزل أيضا كان شارع درب الجماميز الموازي لشارع الخليج المصري والموصلان إلى حي السيدة زينب وكانت مدرستي الأولية مدرسة بشير أغا دار السعادة بهذا الشارع وكذا مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية والمدرسة الخديوية الملاصقة لجامع فاضل باشا الذي كان يقرأ فيه المقرئ الشهير الشيخ محمد رفعت سورة الكهف كل يوم جمعة. وكان يقطن شارع درب الجماميز أسر اشتهرت مصارعة الديوك كانت تمتلك دیوکا متخصصة في المبارزة، وكنا نشاهد جانبا منها حيث تنتهي كل مبارزة بقتل أحد الديوك المتبارزة في وحشية
ويتاخم حي عابدين خلف منزلنا حي سنقر، حي الطبقة العاملة ومعظم سكانه كانوا إما نازحين من ريف مصر أو من الواحات. أما النازحون من الريف فكانوا يعملون في أفران الخبز ويصنعون الخبز الذي يحملونه للبيع في المنازل. أما أهل الواحات فكانوا يعملون في جمع القمامة من المنازل ليحملوها للحريق في المستوقد التابع لحمام السوق ويطهون في أفران هذا المستوقد الفول المدمس الذي تخصصوا في بيعه مع البليلة على عربات يد خاصة صباح كل يوم. أما بقايا حريق القمامة فكان يستخرج منها «الاسرمل» الذي كان يستخدم في بناء المنازل وتغطية أرضية أسطح المنازل كمادة عازلة وواقية من الأمطار
وهذا الخليط من أبناء الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة كان على علاقات طيبة بتبادل الخدمات (الكنس - جمع القمامة - بيع الخبز والفول - خبز العيش .. إلخ) وكان كثير من أبناء الطبقة العاملة زملاء لي في الدراسة، وفي الكتاب وفي المدرسة الأولية. وبعضهم وصل معي إلى مرحلة التعليم الابتدائي . كما اشتری عم مصيلحي وهو من بائعي العيش مربع المباني الذي يضم المخبز والحمام وأصبح موسرا
وكل عام، كان يقام مولد سيدي الخلوتي المدفون بالمسجد أمام منزلنا وكان الجد 



والأسرة أثناء ليالي مولد سيدي الخلوتي يوزعون شراب القرفة للمترددين على المولد كما يقدمون الفتة واللحمة لخدم المسجد وللفقراء. | 


صداقة الطفولة 

كان لي أصدقاء من أبناء الحي واستمرت صداقتي بهم طول حياتنا، منهم المرحوم صلاح والي، وكان لأسرته عربة حنطور يجرها زوج من الخيول وعربخانة للخيول، وكثيرا ما كنا نذهب إليها لرؤية الخيول بحارة شق الثعبان أمام منزلنا مباشرة. وتوفي هذا الصديق حين كان طالبا بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية . ومنهم المرحوم المهندس الجيولجي جلال على مصطفى والذي زاملني في المدرسة الخديوية الثانوية ثم درس في كلية العلوم وآخر منصب له كان رئيس هيئة المساحة الجيولوجية، وصديق آخر هو الأستاذ محمدعلی النقادي وزاملني أيضا في التعليم الثانوي والتحق بكلية الحقوق وكان آخر مناصبه هو مستشار ورئيس محكمة الاستئناف العالى ثم مستشار بالنقض قبل أن يحال إلى المعاش، والصديق المرحوم فؤاد رجائي مهندس زراعي، عمل بالتدريس ، والمرحوم محمد غالب وقد وصل إلى الابتدائية وتوفي والده الموظف بالسكة الحديد ولم يكمل تعليمه واضطر للعمل في دائرة أبو جبل الذين كانوا على معرفة بالمرحومة والدته ثم عملت على إلحاقه للعمل بالمخابرات العامة وعمل معي كثيرا، وسافر معي إلى السودان في أعمال المخابرات وتوفي أثناء الخدمة وكان من أصل سوداني
وكانت سيدات الأسرة - جدتي للوالده وزوجات أخوالي - يحتفلن في أحد أيام الشهر بيوم يطلقون عليه (المقابلة) يتقابلن في ذلك اليوم المحدد بقريباتهن وصديقاتهن وزميلات دراستهن وكن في ذلك الحفل يعزفن البيانو ويستمعن إلى «الفونوغراف » وبعض ألوان الطرب وتقدم أثناء هذا الحفل المشروبات الباردة أو الساخنة حسب الفصل شتاء أو صيفا، ويقدمن أيضا الحلويات والمكسرات وكان هذا تقليدا لمعظم الأسر المتوسطة وكنا كأطفال نتسلل لسماع أحاديثهن التي كثيرا ما كانت تتناول نشاط أزواجهن في الحركة الوطنية وكنا نغافلهن ونلتقط جانبا من الحلوى والمكسرات



القصص الشعبي 
كان للجدة قريبة مسنة في نفس سنها كثيرا ما كانت تحضر وتقيم مع الجدة لعدة أيام. وكان يصحبها خادم يحفظ سير الأبطال أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة وعنترة ابن شداد وسيف بن ذي يزن، وكان هذا الخادم يتقن التلاوة ويغني الشعر مصاحبا ذلك بربابة كان يحملها ( أي كان يقوم بما يقوم به الشاعر في المولد بالريف) فكان يجمع أطفال العائلة حوله مندرة الحاج محمد زغزغ ويأخذ في العزف على ربابته موسیقی شجية تتناسب مع ما يتلوه من قصص وشعر، وبجانب ذلك كان يطوف بالحي من وقت لآخر ما يسمى بصندوق الدنيا وهو عبارة عن صندوق مرتفع يوضع على حامل وتوضع دكة أمام الحامل كنا نجلس عليها ويغطي علينا بغطاء من القماش وننظر خلال عدسات مثبته في الصندوق نرى خلالها صورا ملونة جميلة ويبدأ حامل الصندوق في الغناء ويشغل صندوقه باليد فتظهر العدسات المكبرة صور ملونة جميلة، لأبطال لها قصص يأخذ حامل الصندوق في سردها وكلها عن الشجاعة والإقدام والفروسية والحب الشريف العفيف
مرحلة التعليم الثانوي 
انتهت المرحلة الابتدائية وكنت في سن الثالثة عشرة، في عام 1934، وبدأت مرحلة التعليم الثانوي في أواخر عام 1934 بالمدرسة الخديوية وفي تعليمي الثانوي عاصرت نخبة من المدرسين كانو مربين ومعلمين في نفس الوقت؛ فكانوا يلقوننا بجانب العلم تجاربهم في الحياة من واقع علمهم الغزير ووطنيتهم وتجاربهم الشخصية
كان الأستاذ مخلوف، مدرس اللغة العربية والدين خلال حصة الدين يشرح 
الآيات البينات ويربط شرحه بواقع الحياة مما حبب إلينا دروس الدين
وكان الأستاذ الجندي مدرس العلوم ينتمي سیاسيا إلى حزب الوفد. برغم حصوله على درجات علمية عالية من فرنسا تؤهله للعمل في مراكز عليا بديوان وزارة المعارف فقد كانت الأحزاب المعارضة للوفد عندما تصل إلى الحكم تضطهده وتعيده للتدريس بالمدارس. وكان هذا الأستاذ يشرف على مجلة المدرسة السنوية والتي كنت أنا عضوا في مجلسها. وكان أثناء اجتماعات هيئة تحرير المجلة يفتح 



حوارا في أحد الموضوعات الوطنية وينقلب الاجتماع إلى مناظرة وأسئلة وأجوبة ساعدت على تفتحنا سياسيا واجتماعيا ووطنيا، وقد علمنا أنه كان من جماعة اليد السوداء الفدائية، والتي قامت بالأعمال الخارقة ضد المستعمرين. وأعوانهم من الخونة
ولجنة تحرير المجلة كانت تضم طلبة من مختلف النوعيات ومن مختلف الأحزاب ، وكان هناك الوفدي المتطرف مثل عبد الملك هاشم الكبير ومن الحزب الوطني محمد فريد أبو العز (دكتور صيدلي صاحب أجزاخانات بقصر العيني والهرم والمعادي) وفؤاد إسماعيل (الشاعر) والذي كان بلا لون حزبي وعبد الودود ریاض (القاضي الآن) وعبد الرحمن الشرقاوي (الشاعر والكاتب الصحفي الآن). 
أما الأستاذ محمد إبراهيم أستاذ مادة التاريخ (وقد حصل بعد ذلك على الدكتوراه وعمل أستاذا لمادة التاريخ بآداب القاهرة) فقد كان موسوعة تاريخية عناصرها الأساسية الأمانة والصدق و الحق. وقد سعدت بالتلمذة على يديه في السنة الثالثة الثانوية وكان يدرس لنا مادة التاريخ المصري الحديث وكان ينتهي بأسرع ما يمكن في حصصه من الدرس المقرر. ثم يغلق دفتره ويبدأ في شرح الحقيقة ويشجعنا على اقتناء واستعارة المراجع التاريخية التي منها يمكن أن تصل إلى الحقيقة وذلك من مكتبة المدرسة أو من دار الكتب
الاشتراك في أول عمل وطني 
كان ذلك في عام 1935. وكنت في السنة الثانية الثانوية بالمدرسة الخديوية . كان ذلك أثناء وزارة توفيق نسيم باشا حيث كان قد وعد بإلغاء دستور ۱۹۳۰ المكروه من الشعب وكان هذا الدستور من بنات أفكار إسماعيل صدقي السياسي الداهية ورجل الملك . وعد نسيم باشا الشعب بأنه سيستبدل دستور سنة ۱۹۳۰ بعودة العمل بدستور ۱۹۲۳ المؤيد من الشعب لأنه يحد من سلطات الملك. في ذلك الوقت صدر مرسوم ملكي يقضي بإلغاد دستور ۱۹۳۰ وأن يتولى الملك بواسطة وزرائه سائر سلطات البرلمان. في نفس الوقت أشيع أن وزارة نسيم تنوي وضع دستور جديد وسط بين دستوري ۱۹۲۳ و ۱۹۳۰ في الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا أنها غير راضية عن دستور ۱۹۲۳ وكذلك دستور ۱۹۳۰ نفسه وإزاء هذا 




التصريح والإعلان البريطاني تكهرب الجو الشعبي، وخرجت الجماهير ومعها الطلبة من جميع أنحاء مصر في مظاهرات صاخبة. واشتركت مع طلبة المدرسة الخديوية في تلك المظاهرات واتجهنا مع جموع غفيرة من الشعب وطلبة المدارس الأخري والجامعات إلى منزل نسیم باشا بالحلمية الجديدة نهتف بسقوط نسيم باشا «يسقط نسيم أبو عقل تخين». كان هذا بمثابة أول مشاركة لي في عمل وطني سیاسی أمارسه في حياتي بعد أن تفهمت أبعاده، وكان باختصار شديد هو المطالبة بإعادة حكم البلاد دستوریا بدستور سنة ۱۹۲۳ الذي يحقق شيئا من الحرية للشعب ويحد بعض الشيء أيضا من سلطات الملك
وفي اليوم التالي للمظاهرات توجهت مع طلبة المدرسة الخديوية في مظاهرة إلى الجامعة (جامعة فؤاد الأول) وتدخل البوليس في فض هذه المظاهرة. وحدثت مصادمات كان من أبرزها أن قتل البوليس أحد الطلبة على كوبري عباس بعد أن حاصرته قوات الأمن، كنت أثناء ذلك بجوار زميل الدراسة محمد علي النقادي (مستشار بالقضاء حاليا بالمعاش) وكان يرتدي نظارة لا يمكن السير بدونها وأثناء اشتباكات البوليس وقع على الأرض وأصيب في وجهه، وكسرت نظارته وأصبح غير قادر على السير . سحبته أثناء تصاعد المصادمات جانبا إلى أن هدأت الحال وعدت به إلى منزله . كانت نتيجة هذه المظاهرات التي اشتركت فيها لأول مرة في حياتي، أن اضطرت حكومة بريطانيا إلى إيقاف اعتراضها على إعادة دستور ۱۹۲۳ وذلك في عام ۱۹۳۵ وصدر مرسوم ملكي ينص على إعادة العمل بدستور ۱۹۲۳
الرجوع إلى التاريخ القريب 
في إجازة صيف 1936، وبعد وقوفي على العمل الوطني الذي نجح في إعادة دستور سنة ۱۹۲۳ وكان نتيجة سقوط وزارة نسيم وتشکیل وزارة علي ماهر الذي مهد لتكوين جبهة وطنية للمطالبة بالجلاء، وجدت نفسي متعطشا لدراسة تاريخ هذا الاستعمار البريطاني في مصر والسودان بعد هزيمة عرابي وعودة الخديو توفيق الخائن للسيطرة مع الإنجليز على مقدرات هذا الشعب . وحيث إن جميع المراجع والكتب التاريخية المدرسية المتاحة لي ولجيلي في ذاك الوقت لم أجد فيها المادة المتكاملة والكافية لهذه الدراسة ، فقد بدأت في الاستعانة بكثير من المراجع التاريخية 



ولجأت إلى خالي المحامي أحمد يحيي راشد الذي سبق وشارك في ثورة ۱۹۱۹ وبعض الأقارب. هذه المعلومات التاريخية كنا نفتقر إليها أنا وجيلي كله . وبدأت في التقصي والاطلاع والمراجعة وأخذت أدون لنفسي مذكرات خاصة منذ تولي الخديو عباس حلمي ولاية مصر حتى يمكنني فهم كل ما يجري من أحداث أثناء فترة المفاوضات وبالذات لأفهم على ماذا سيتفاوض المصريون مع الإنجليز. ولقد تعمدت أن تتناول مذكراتي هذه الفترة لأن معظم جيلنا والأجيال الحاضرة تفتقر جميعا لهذا الجانب من تاريخ بلادنا
الأمل يتجدد 
في آخر عام ۱۹۳۹ اعتلى ملك شاب العرش وكل الشغب أمل فيه، وحصلت البلاد على دستور ۱۹۲۳ الذي جاء ببرلمان منتخب أفرز حكومة قومية متعاونة مع باقي الأحزاب، وبتضامنهم أمكن إبرام معاهدة ۳۹ وألغيت الامتيازات الأجنبية البغيضة، والنحاس على رأس حكومة متمسكة باحترام الدستور، وانتهى تحكم المندوب السامي، وتغير اللقب إلى سفير من المفروض أنه ليس له أي حقوق للتدخل في شئون السياسة الداخلية في البلاد. يتوج هذا الأمل النحاس باشا رئیس الوفد بموقفه المتشدد مع رجال القصر الملكي احتراما للدستور عندما أصر عند تتويج الملك بعد بلوغه سن الرشد سنة ۱۹۳۷ أن يقسم اليمين دستوريا أمام البرلمان وليس في احتفال ديني في الأزهر كما كان يريد رجال القصر. لكل ذلك وفي سنة ۱۹۳۷ کنا كشباب يملؤنا الفخر والأمل في مصر ورجال مصر، ولكن كثيرا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن» فقد بدأ رجال القصر يستعدون الملك الشاب قليل الخبرة على الأحزاب وعلى التدخل في شئون الحكم متجاوزا سلطاته الدستورية . كما بدأ السفير البريطاني يعاود تدخله في الحكم خصوصا عندما شعر بأن الحكومات لم تكن قد تخلت عن عقدة المندوب السامي. وكذلك بدأت الجبهة الوطنية ( التي كان لها الفضل في الحصول على معاهدة ۱۹۳۶) تتفكك وأصبح التناحر والصراع والخلاف هو الجو السائد بين الأحزاب
وزاد الطين بلة حزب الوفد نفسه - حزب الأغلبية - أخذ يتحلل من الداخل 
بخروج أعضائه المؤسسين الواحد بعد الآخر



الصدمة 
بناء على ما غرسه في جيلنا الآباء والمدرسون الأفاضل ما كنا نتصور أن هناك مصريا متمسكا بدينه ووطنه يرضى بالخنوع والعبودية لا للأجنبي ولا لحاكم فما بالك بالحكام الذين كنا نتأمل صورهم المنشورة في الصحف والمجلات وعليهم سمات الرجولة والعزم، ثم نصدم فيهم عندما نقرأ في الصحف مدى ما يرتكبون في حق بلادهم. وبعد زيادة وعينا و اطلاعنا على مدى تفسخ الوزراء ورؤساء الوزارات ومدى تمسحهم بأعتاب القصر وبناء على ما كنا نطلع عليه في الصحف عن تدخل السفير البريطاني في شئون البلاد ضاربا عرض الحائط بسلطات الملك أو الحكومة أو حتى البرلمان ومدی استهتار رجال القصر بالدستور واستعداء الملك على الدستور كنا نصدم بهذه المواقف وهذه الصور المزيفة . كل ذلك جعلني أثور بيني وبين نفسي ومعي جيلي بأكمله على هذه الأوضاع المقلوبة وأخذت أدونها يمذكراتي أولا بأول وهي تقريبا الأسباب الرئيسية ليس بالنسبة لي شخصيا ولكن بالنسبة للشعب المصري الذي كان مثلي يثور فيما بينه وبين نفسه على هذه الأوضاع. وفي خضم هذه الأفكار المتناقضة وغير الودية الأبعاد كثيرا ما فكرت بعد اشتراكي في أول مظاهرة سياسية وأحجمت عن الانضمام إلى حزب الوفد وهو الحزب الذي كانت تستهويني تصرفاته ومواقفه الشجاعة والوطنية، وإلى أن جاء عام ۱۹۳۷، وكان الوفد بالحكم والنحاس باشا رئيسا للوزراء. وتناولت الصحف بالتفصيل قضية نزاهة الحكم في موضوع مشروع كهربة خزان أسوان. وحدث خلاف داخل حزب الوفد حول التصديق لشركة بريطانية بالاتفاق المباشر، وليس بالمناقصة للقيام بتنفيذ المشروع، وكانت نظير سبعة ملايين جنيه، وكانت أغلب الشركات العالمية الأخرى تعرض تنفيذ المشروع بخمستة ملايين جنيه فقط . وقام الوزير الوفدي محمود غالب بالنشر في الصحف عن هذه الملابسات والخلافات وأيده النقراشي باشا في ذلك وهو أيضا كان أحد الوزراء الوفديين ومن التنظيم السري الوطني (اليد السوداء)، وعند إعادة تشكيل وزارة النحاس باشا، استبعدت النقراشي ومحمود غالب من التشكيل الوزاري الجديد . استمر محمود غالب باشا في النشر عن هذا المشروع متهما الوزير الوفدي المختص بالمشروع عثمان محرم باشا بعدم النزاهة ... وصدر قرار حزب الوفد بفصل النقراشي ومحمود غالب من الوفد كان أحمد ماهر زميل الكفاح مع النقراشي وصديقه رئيسا لمجلس النواب وجاء رأيه مطابقا لرأي 
11 
۲۵ 



النقراشي ومحمود غالب. وطالب بضرورة عرض مشروع كهربة خزان أسوان في مناقصة عالمية عامة، ولم توافق وزارة النحاس باشا على ذلك وصدر قرار بفصله هو الآخر من الوفد
وبخروج هؤلاء الثلاثة من حزب الوفد كونوا حزبا جديدا أسموه الحزب السعدي، وكنت في هذه السن متأثرا بدور كل من أحمد ماهر والنقراشي الاشتراكهما في عصابة اليد السوداء ذات الأعمال الخارقة في الكفاح الوطني وبعد اطلاعي في الجرائد اليومية على مدى الفساد الذي أخذ يتضخم في صفوف المستوزرين من حزب الوفد وكنت في حيرة من الرأي من ناحية الانضمام لأحد الأحزاب فقد ذهبت إلى دار الحزب السعدي ، وانضممت إلى لجنة طلبة المدارس الثانوية بالحزب وأخذت في تكوين لجنة بالمدرسة ولكنها كانت عدديا وجسمانيا أضعف من لجنة طلبة الوفد. و كثيرا ما جر علي هذا الانضمام التعرض للاعتداء علي أثناء المظاهرات، وأثناء النقاش بحوش المدرسة
تأملات فيما كان يجري حولنا سنة ۱۹۳۷ - ۱۹۳۸ 
في ذلك العام كنت بالرابعة (شهادة الثقافة العامة) وكنت أقضي معظم وقت فراغي من المذاكرة إما في لعبتي المفضلة (المبارزة) أو في النشاط السياسي، فأجتمع مع لجنة الطلبة السعديين بالمدرسة. أو في دار الحزب وكنا نتناقش على ضوء ما نقرؤه في الصحف الحكومية والمعارضة للأوضاع السياسية في هذه الفترة، وبخروج أحمد ماهر والنقراشي من الوفد كانت صحيفة «البلاغ» قد انقلبت إلى 
جريدة معارضة للوفد، وكان صاحبها عبد القادر حمزة وكان ابنه فؤاد حمزة زميل دراسة بالخديوية . وكثيرا ما كانت صحيفة «البلاغ» والوفد في الحكم تهاجم حكومة الوفد وحزب الوفد وكثيرا ما كانت الحكومة تصادرها. وقانون الصحافة في ذلك الوقت كان يقضي بمصادرة العدد المنشور به الموضوع الذي يزعج الحكومة ، وكذلك يتعرض المسئول عن التحرير للتحقيق في النيابة فإذا وجدت النيابة في العدد ما يستحق تقديمه للقضاء صودر العدد فقط ويسمح للجريدة باستئناف الصدور بحكم القانون. وقد قدم رئيس التحرير للمحاكمة ولكن غالبا ما كانت النيابة تفرج عن الأعداد المصادرة . وتفرج عن رئيس التحرير في معظم الأحوال. وفي النادر كان يحول رئيس التحرير للقضاء. ولم أعاصر أي حكم ضد أي رئيس تحرير أبدا 




بل كان يحكم له بالبراءة لأن ما ينشر ليس فيه ما يخالف القانون، ولكنه كان نقدا موجها إلى رجال سياسة يعملون في الخدمة العامة ويجب مساءلة ونقد العمل العام بحکم الدستور الذي يؤكد على الحرية. وما كان يحدث للبلاغ كان يحدث الصحف الوفد عندما تكون خارج الحكم. كل هذه التصرفات البسيطة في مظهرها والعظيمة في معناها كانت الشغل الشاغل لعقولنا المتفتحة بالأمل. وكان شعورنا كله تقديرا لجمال وعظمة الحرية وكان ذلك مما يجدد فينا الأمل تحت ظل الحياة الدستورية والتي من أهم معالمها احترام القانون من الحاكم والحكومة. وكان يعكر صفو هذا الجو المملوء بالأمل أحزاب الأغلبية سواء الحقيقية أو المزيفة عندما تكون في الحكم والتي كثيرا ما كانت تنتهز حصولها على الأغلبية البرلمانية فتمارس الحكم الاستبدادي وتنفرد بالسلطة دون مراعاة لقانون أو لدستور البلاد مطمئنة للأغلبية البرلمانية . حتى إذا كانت هناك أصوات معارضة في البرلمان أو اقترعت ضد الحكومة فإن هذه المعارضة تخرصها الأغلبية خصوصا بعد أخذ الأصوات وكان الشعب المصري هو الضحية برغم أنه هو الذي كان يعطيهم أصواته. الشعب كان مقهورا بحكوماته وأحزابه بعد أن كان مقهورا بالقصر والمعتمد البريطاني فقط وهذا كان من سخرية القدر بهذه الأمة
ا 
ا 
ا 
ما بعد التوجيهية 
بعد أن نجحت في امتحان إتمام الشهادة الثانوية وكان يطلق عليها «شهادة التوجيهية» قسم علمي سنة ۱۹۳۹ وأثناء إجازة الصيف أعلنت الحرب العالمية الثانية في أول سبتمبر سنة ۱۹۳۹ وقدمت أوراقي للالتحاق بالكلية الحربية، وفي الوقت نفسه تقدمت أيضا للالتحاق بكلية الحقوق جامعة نواد (القاهرة) حتى إذا لم أقبل بالكلية الحربية والتي يحتاج دخولها إلى واسطة في الغالب والتي ابتليت بها بلادنا حتى ذلك الوقت كنت سأستمر في الدراسة بكلية الحقوق لأنني دائما كنت أتوق الدراسة القانون وما حوله من دراسات إنسانية ، كنت قد مهدت نفسي لها من واقع ممارساتي في العمل السياسي وأنا طالب بالثانوي . ولكني اخترت الكلية الحربية على أساس أنه يمكنني بعد التخرج منها أن ألتحق بالانتساب إلى كلية الحقوق وهذا ما حدث فعلا. واخترت الالتحاق بالكلية الحربية بعد مناقشة ومراجعة للنفس 



سواء عن اقتناع کامل بها. أو عن بعض الاقتناع ولكن كانت هناك عدة أسباب عن تفضيلي الكلية الحربية، وهي: ۱- استهوائي لدور ضباط الجيش المصري الأبطال في ثورة عرابي سیاسيا 
وعسكريا. ۲- اقتناعي بأن أي تنظيم عسكري سياسي عادة لا تنفجر بداخله بذور الخلاف 
والشقاق بعكس التنظيمات السياسية المدنية التي كانت الثورات تشتعل على 
أيديها ولكن سرعان ما تنطفئ شعلتها من كثرة الخلافات فيما بينها. 3- بعد دراساتي عن الجندي المصري والضباط المصريين الذين اعتمد عليهم محمد 
علي في حروبه وفتوحاته وحقق بهم المعجزات بمقاییس عصره. 4 - اعتقادي الكامل بأن أشرف ما يصبو إليه الإنسان المصري هو الدفاع عن وطنه 
وشعبه. ولا يمكن أن يتحقق هذا الكفاح ضد المحتل إلا عن طريق الانخراط 
في الجيش 5- اقتناعي بأن الضابط خریح الكلية الحربية بما يحصل عليه من ثقافة عامة مدنية 
وعسكرية تمكنه من مواصلة الطريق في ميادين العلم والمعرفة والثقافة ممدوامة الاطلاع أو بالالتحاق فيما بعد بالكليات النظرية أو الدراسة من المنازل. - بعد معاهدة 1936 أعيد تنظيم الجيش المصري (الكلية الحربية) على أحدث 
تنظيم. وكان الفضل الأكبر في ذلك لعزيز المصري باشا رئيس أركان حرب الجيش . بالإضافة إلى تشجيع بريطانيا لذلك التطوير . أملا في استخدام الجيش الخدمة أغراضها، خاصة بعد أن أطلت نذر الحرب العالمية الثانية
في كلية الحقوق 
قبلت في كلية الحقوق. وانتظارا للكشف الطبي، وكشف الهيئة (الواسطة) في الكلية الحربية. لم أضيع الوقت ، وانتظمت في دراسة الحقوق بالجامعة. ومكثت بها أتلقى العلم لمدة ثلاثة شهور، كانت من أمتع فترات حياتي، حيث شعرت من المحاضرات التي كنا نحضرها أنها فعلا مدرسة الحياة ، وكان أساتذتنا نخبة من العلماء الوطنيين المتخصصين في موادهم منهم الدكتور وايت إبراهيم 
۲۸ 



والدكتور عبد المنعم بدر والدكتور حشمت أبو ستيت والشيخ محمد أبو زهرة أستاذ مادة الشريعة. استهوتني جدا مادة الدستور، وكان أستاذها يقف عند كل مادة بدستور سنة ۱۹۲۳، ويتلو علينا من واقع محاضر جلسات اللجنة التي وضعت الدستور آراء أعضاء هذه اللجنة في كل مادة ، ثم يأخذ في التعليق والنقد المتعمق
وخرجت بنتيجة أثناء هذه الدراسة الممتعة في المدة القصيرة التي أمضيتها في كلية الحقوق أنه لإيجاد حكم متوازن في بلد ما يجب أن يحقق دستورها التوازن الكامل بين السلطات وأن تحترم كل سلطة اختصاصات السلطات الأخرى
في الكلية الحربية 
في نوفمبر سنة ۱۹۳۹ قبلت في الكلية الحربية، وتركت الدراسة في كلية الحقوق. درست مع دفعتي في الكلية الحربية لمدة ثلاث سنوات كاملة وتعتبر الدفعة الوحيدة التي استكملت برنامج الدراسة المدنية والعسكرية المقررة في هذه الكلية . وهذه الدراسة طبقا للنظم الحديثة تعتبر كافية، وعلى جانب من الأهمية للتخرج. وتخلل فترة الثلاث سنوات أحداث مهمة منها: ۱- استبعاد عزيز المصري من رئاسة أركان الجيش المصري كطلب السفير البريطاني 
بحجة أنه كان يروج الدعاية للألمان. وماطل علي ماهر رئيس الوزراء في طلب السفير البريطاني باستبعاده، وأحالة إلى حسين سري باشا. وكان لعزيز المصري باشا سمعة طيبة سياسيا وعسكريا وبرغم عدم اطمئنان الإنجليز له فقد كانوا 
يعتبرونه من أكفأ العسكريين في العالم. ۲- حادثة محاولة هروب عزيز المصري إلى ألمانيا في مايو سنة 1941، وكنت 
بالقسم المتوسط بالكلية الحربية وقد قام بها عزيز المصري بالاتفاق مع الطيار حسين ذو الفقار صبري والطيار عبد المنعم عبد الرءوف (يمت لي بصلة القرابة) في محاولة للاستيلاء على طائرة عسكرية والهروب بها إلى ألمانيا. ولخلل في مفتاح بنزین الطائرة هبطوا بها اضطراريا في حقل في «قليوب». وتمكن الثلاثة من الوصول إلى مشارف القاهرة بعربة بوليس استعارها عزيز المصري من إحدى نقط الشرطة بالقليوبية بحجة أن سيارته تعطلت، وكان ضابط البوليس ممن تخرجوا على يديه عندما كان مديرا لكلية البوليس. واختفوا في منزل الفنان 
۲۹ 



عبد القادر رزق (أصبح عميدا لكلية الفنون بعد ذلك في إمبابة وكان من أعضاء حزب مصر الفتاة . ومن المعجبين بشخصية عزيز المصري. وفي النهاية قبض عليهم رجل القلم السياسي المشهور إمام إبراهيم، وقدموا إلى المحاكمة العسكرية. وجهزت قاعة الألعاب الرياضية بالكلية الحربية لهذه المحاكمة. وكنا ونحن طلبة بالكلية الحربية نشاهد الجموع العسكرية والمدنية التي تحضر هذه المحاكمة، وكلنا إعجاب بهذه المغامرة الوطنية المثيرة. ولم تتم محاكمتهم للنهاية 
حيث دفع المحامين حافظ رمضان وعبد العزيز الشوربجي وحماده الناحل بعدم دستورية قانون الأحكام العسكرية الذي يحاكمون بموجبه لأنه قانون كان قد وضعه الإنجليز ولم يتم تصديق البرلمان المصري عليه . وقمت في أحد أيام إجازاتي الأسبوعية بزيارة قريبي المعتقل الطيار عبد المنعم عبد الرءوف في مكان التحفظ عليه بثكنات الجيش في منشية البكري ووقفت منه على ملابسات عملية الهروب. وعلمت منه أن عزيز المصري باشا بعد فشل حركة رشید عالي الكيلاني في العراق. وعدم مساعدة الألمان له في الوقت المناسب اعتزم أن يذهب بنفسه إلى الألمان للاتفاق معهم على القيام بحركة مماثلة ضد الإنجليز في مصر لتحقيق الاستقلال على شرط أن تمده ألمانيا بما يطلبه من أسلحة وألا يتخلوا عنه كما تخلوا عن رشید عالي الكيلاني في العراق. وأيامها، ولأسباب غير معروفة ليتم فصل الطالب يوسف أدهم من دفعتي من الكلية الحربية وقيل إنه كان على اتصال بعزيز المصري أيضا. وبعد توقف المحاكمة العسكرية وعدم ثبوت تهمة الخيانة من تحقيق النيابة العامة أفرج عنهم. ولم يسكت السفير البريطاني على ذلك ، بل طلب من الحكومة المصرية اعتقال عزيز المصري واعتقل بالفعل في 13 أغسطس سنة ۱۹۶۲ واستمر معتقلا لمدة عامين وثلاثة أشهر وكان الاعتقال عقب قضية العوامة المشهورة بقضية الراقصة حكمت فهمي والجاسوس الألماني «أدلر» Adler أو حسين جعفر وهو اسمه المصري والتي 
حوكم فيها أيضا أنور السادات. ٣- حادث 4 فبراير سنة ۱۹۶۲ وقد تم وأنا طالب بالسنة النهائية بالكلية الحربية ، 
وكان له وقع أليم في نفوسنا كطلبة عسكريين مصريين على وشك التخرج للعمل كضباط بالجيش لتوكل إلينا مهمة الدفاع عن شرف بلادنا . وقد اعتبرنا هذا الحادث طعنة موجهة إلى شرف مصر من مستعمر غاصب لا يحمل أي 



شعور احترام أو تقدير لخليفته مصر المرتبط معها بمعاهدة تنص على الاحترام المتبادل بين الدولتين
الخدمة بالجيش والأحداث 
ويقترب شهر مايو سنة ۱۹۶۲ ويتم تخرجي من الكلية الحربية وأعين ضابطا صغيرا (ملازم ثان) بالكتيبة الرابعة مشاة بالقنال ورئاستها بالقنطرة غرب. وذلك بعد الأحداث المهينة والمؤلمة في 4 فبراير سنة ۱۹۶۲
وتتوالى الأحداث السياسية إذ يخضع النحاس باشا رئيس الوفد ورئيس الحكومة. وتحت ظل إعلان الأحكام العرفية، لمشيئة وتصرفات السفير البريطاني 
لورد کیلرن) خضوعا كاملا ويستبد بالوطنيين المعارضين له ويجري عملية اعتقالات بالجملة لجميع الشرفاء بحجة تعاطفهم مع الألمان أو لمجرد الاشتباه في موقفهم المعادي للإنجليز ، وأحيانا بلا أسباب سواء استجابة للسفير أو استجابة الأهوائه السياسية . وكان على رأس من اعتقلهم علي ماهر باشا وعزيز المصري باشا. وبنفس القدر من التساهل يتراجع عن تشدده مع القصر وتهاون في حقوقه الدستورية مع رجال القصر وأعطى الملك حقوقا مخالفة للدستور. وفتح شهيته للتدخل . كل ذلك جرى، وظن الساسة والزعماء أن كل هذه الأمور خافية على الشعب ولكنها على الأقل كانت تصلنا كضباط شبان يمثلون شريحة واعية من شرائح الشعب . مثل تلك الأحوال وتأملها كانت الدافع لجيلي والمعاصرين لهذه الأحداث للتصرف الواجب وقت الضرورة وليس أدل على ذلك من أننا ونحن مجموعة كبيرة من الضباط الصغار بالكتيبة الرابعة مشاة جمعنا أركان حرب الكتيبة الشاب في أحد ليالي يوليو سنة ۱۹۶۲، في وقت راحتنا جميعا، وفي غير أوقات العمل، داخل میس الضباط وأبلغنا بأن القوات الألمانية وصلت إلى منطقة العلمين على مقربة من الإسكندرية بقيادة «روميل» وأن موقف الجيش الإنجليزي في غاية السوء، وأنه علم أن خطة البريطانيين أنه في حالة تدهور الموقف العسكري أكثر من ذلك سوف ينسحبون من مصر إلى فلسطين وإلى الهند، ولتغطية الانسحاب كانت الخطة تقضي بإغراق مديرية البحيرة وتدمير معظم الكباري والجسور - وكل آبار البترول في مصر - وأن هذه الخطة تسربت أخبارها حيث إنهم حاولوا الاتصال بقادة الجيش المصري الكبار لمعاونة الجيش البريطاني في هذه العملية . ولكن كانت هناك مقاومة لهذه الخطة على مستوى الحكومة ولكن البريطانيين إذا تردت حالتهم العسكرية أكثر، سوف لا يقيمون لرأي المصريين أي وزن وذلك في سبيل حماية خطوط انسحابهم بتنفيذ خطة التدمير التي شرحها لنا أركان حرب الكتيبة الملازم أول يوسف حسن محمد - وفي الحال بعد أن سمعنا هذه الأنباء الخطيرة ودون أن ننتظر لأخذ الرأي ، أقسمنا جميعا على أننا سنقف في وجه الجيش البريطاني في هذا الأمر وسوف لا نسمح أبدا بتخریب بلادنا
تكوين أول تنظيم وطني للضباط 
وكانت خطة الضباط الوطنيين أنه في حالة هزيمة الجيش البريطاني في « العلمين» سوف نتحرك بكتائبنا وجنودنا وأسلحتنا ودون انتظار أوامر إلى الأهداف الحيوية في البلاد لنحميها من تخريب الجيش البريطاني وبهذا تكون أول تنظیم وطني للضباط
وتتابع الأحداث 
أصدر الملك في أكتوبر سنة 1944 خطاب إقالة مهين للنحاس باشا. توالت الأحداث والتغييرات الوزارية والاغتيالات السياسية إلى سنة 1946 وهو ميعاد تكوين أول تنظيم أو تجمع سري وطني للضباط الشبان الساخطين على الإنجليز وعلى أحوال البلاد وعلى بعض الزعماء والقصر خصوصا بعد أن تمادي الملك في فساده وإحكام قبضته واعتداءاته على الدستور
وفي أكتوبر سنة 1944 بعد إقالة النحاس باشا كلف الملك فاروق الدكتور أحمد ماهر باشا رئيس الحزب السعدي بتأليف الوزارة وأجريت الانتخابات وقاطعها حزب الوفد وجاءت الانتخابات بأغلبية من السعديين والأحرار الدستوريين والكتلة الوفدية (حزب مكرم عبيد). 
وفي آخر سنة 1945 تم اغتيال أحمد ماهر عقب خروجه من قاعة البرلمان بعد 
إعلانه الحرب على المحور 
وفي أول عام 1946 ألف محمود فهمي النقراشي الوزارة

وفي نفس العام اغتيل وسيط النحاس باشا بالإنجليز والسفير البريطاني أمين عثمان باشا وأيضا في نفس العام، قامت المظاهرات الوفدية لمطالبة النقراشي بالاستقالة وبجلاء الإنجليز نهائيا
وفي فبراير سنة 1946 طلب السفير البريطاني من الملك أن يقيل وزارة 
النقراشي، واستجاب الملك لذلك
وفي فبراير سنة 1946 ألف إسماعيل صدقي الوزارة. بعد شهرين فقط من 
سقوط وزارة النقراشي واشترك الأحرار الدستوريون في الوزارة الجديدة
وفي نفس عام 1946 حاول صدقي باشا التفاوض مع الإنجليز وفشل، ثم عاود المحاولة ، وتوصل مع بريطانيا إلى مشروع مفاوضة أطلق عليه «مشروع صدقي بیفن»، وبموجب هذا المشروع كانت مصر ستوضع في دائرة الأحلاف العسكرية الغربية، وعارضت جميع الأحزاب والشعب هذا المشروع، وقامت المظاهرات الصاخبة لتفضح هذا المشروع وزاد عنف الحكومة، وزاد معها عنف المظاهرات
وفي ديسمبر سنة 1946 استقال إسماعيل صدقي من الوزارة. | 
وفي أول يناير سنة 1946 ألف النقراشي باشا الوزارة للمرة الثانية من حزبي السعديين والأحرار الدستوريين وبدأ فورا في الاتصال بالإنجليز للتفاوض وفشلت المحاولة ، وبعد فشلها سنة ۱۹۹۷ سافر النقراشي باشا إلى الأمم المتحدة لعرض قضية استقلال مصر وجلاء البريطانيين على مجلس الأمن وكان هذا متزامنا للوقت الذي كانت تعرض فيه قضية فلسطين في مجلس الأمن. ولم يتوصل النقراشي في مجلس الأمن إلى نتيجة نظرا لسيطرة الدول الكبرى على المنظمات الدولية
وفي هذا الوقت بالذات بدأ التنظيم الوطني للضباط ينمو ويتماسك بعض 
الشيء وبدأت ملامحه في أذهاننا وجلساتنا ومناقشاتنا تتضح
السخط والتبرم يولد التجمع
عادت الإمبراطورة فوزية شقيقة الملك فاروق زوجة شاه إيران إلى البلاد، تصحبها شائعة الخلاف مع الشاه. كانت ستصل بالطائرة إلى مصيف الأسرة بالإسكندرية ، لتهبط بها في مطار النزهة في أحد أيام شهر يونيو شديدة الحرارة . وخرجت كتائب من حامية الإسكندرية ومن ضمنها كتيبتي الرابعة لتصطف على 
جانبي الطريق من مطار النزهة حتى القصر. وطال انتظارنا للموكب، ثم أبلغنا أن الطائرة ستتأخر عدة ساعات أخرى. وعلينا أن ننتظر وقوفا. أثارنا انتظارنا الطويل المهين كضباط . حتى يحين موعد وصول الطائرة، و تجمع لفيف من الضباط الشبان، وكنت معهم وأخذ كل منا يعبر عن سخطه على هذه المهانة وكان تعليقنا أن الجيش لم يشكل لمثل هذه المهام المهينة، وإنما عليه أن يقوم بواجبه الأول من تدريب ومناورات ، واستعداد ليوم الذود عن الوطن وعندما طال الانتظار امتد الحديث وتناول ما نقاسيه ويقاسيه الشعب من المستعمر ومن الحكام وكان معي من الكتيبة زميلي ودفعتي سيد جاد عبد الله سالم ولفيف آخر من مختلف الوحدات
لم ينته هذا الاجتماع الواقف إلا ونحن على ميعاد آخر للحديث في مثل هذه 
الأمور
تم الاتفاق في الحال على بدء اجتماعاتنا وكان الاجتماع الأول في منزلي 6 شارع البرموني بعابدین ، في غرفة فسيحة أعلى المنزل، وتوالت الاجتماعات وتنوعت الأحاديث الوطنية. واتسعت حلقة التنظيم حيث كنا نحضر في كل اجتماع وبرفقة كل واحد عدد قليل من الضباط الوطنيين الموثوق بهم، بعد جس نبضهم، ثم وضعنا دستورا لهذا التنظيم بعد فترة لاحقة بألا ينضم أي ضابط له إلا بعد أخذ الآراء عليه قبل حضوره. وكنا نتناول في هذه الاجتماعات شبه السرية مآخذ الشعب على الملك ورجال القصر ، وعلى الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة والبرلمان ومواقفهم وتجاوزاتهم وتوصيل هذه المعلومات التي لا تنشر في الصحف عن هذه المآخذ
وتوالت الاجتماعات في منزلي وفي منزل ضابط الفرسان «مصطفی نصیر» 
بالسيدة زينب وبعد أكثر من خمسة اجتماعات كانت صورة هذا التنظيم كالآتي
عن الفرسان «دون ذكر الرتب» السادة: ۱۔ مصطفى عبد المجيد نصير. 6- عبد السلام فرید . ۲- عبد الحميد عبد السلام کفافي. ۷- رضا صابر صبري . ۳- محمد حلمي إبراهيم
۸- سعد حنفي حسن
4. جمال منصور
۹- عبد الرحمن فهمي. 5- محمد سعد الدين حافظ. ۱۰۔ مصطفی کمال صدقي
عن المدفعية «دون ذكر الرتبة السادة: ١۔ محسن عبد الخالق السيد. ۲ - فتح الله رفعت فتح الله . ۳- رشاد مهنا. 4 - محمد كمال عبد الحميد . 5 - سعد زايد
- محمد أبو الفضل الجيزاوي
۷- مدحت فهمي
۸- على حسن مصطفی . - محمد أحمد حسن
۱۰ - أمين مظهر. ۱۱- زكي منصور. ۱۲ - محمد أبو اليسر الأنصاري . ۱۳ - أنور الصبحی . 14. فؤاد مجدي
عن الإشارة «دون ذكر الرتب» السادة: ١- محمد عبد العزيز الألفي. ۳- أحمد عبد الدايم . ۲- عبدالله أباظة
4 - شريف أباظة
عن المشاة «دون ذكر الرتبة السادة: ١۔ محمد محمد علي بدران. ۸- محمد محمد أبو شهبة . ۲- عبد الرحمن مخيون. ۹ - السيد جاد عبد الله سالم . ۳- محمد عبد الفتح أبوالفضل . ۱۰- محمد نیازي . 4 - عباس عبد الوهاب رضوان . ۱۱- حسين عبد القادر . 5 - إبراهيم بغدادي
۱۲- فوزي عبد العظيم . ۔ محمد هاشم حسين. ۱۳ - حسن عبد السلام القويسني
۷۔ ریاض مصطفی سامي. 14 - حسن التهامي 
۱۵ - أحمد عبد الله طعيمة 
سلاح خدمة الجيش «دون ذكر الرتب السيد
۱۔ حسنین حسني عبد المجيد
المهمات «دون ذكر الرتبة» السيد
١- هاشم سعيد العربي
البحرية «دون ذكر الرتبة» السيد
١- رجب فهمي
الطيران دون ذكر الرتبة السادة
١- عبد المحسن أحمد صالح الوسيمي. ۲- محمد فكري زاهر . ۳- عز الدين العيادي . 4 - مختار سعید
د. أحمد شكري . 6- عهدي خيرت . ۷- طلعت ناجي ۸- عبد الكريم محرم
وكان التكليف الرئيسي في بداية تكوين هذا التنظيم هو تجمع أكبر عدد ممكن من الضباط ، والتفكير في عمل شعبي حتى لا تتسع الاجتماعات وینکشف أمرنا من البداية ، وكانت تجمع اشتراكات تستخدم في مساعدة هذه الحركة عند اللزوم. وكان أول عمل استخدمنا فيه جزءا من حصيلة الاشتراكات سنة ۱۹۹۷ هو إرسال تلغراف باسم ضباط الجيش لتأييد رئيس الوزراء النقراشي باشا في عرضه لقضية مصر في مجلس الأمن قبل سفره
وقد حدث نقاش حول تحديد هدف التنظيم، وهو التخلص من الاستعمار - ثم أخذنا في مناقشة وسائل تحقيق هذا الهدف - وطال النقاش في تحديد الوسائل (وهي بوجه عام التخلص من معوقات تحقيق هذا الهدف) واختلفنا في ذلك اختلافا نظرا التعدد میولنا السياسية والعقائدية ، وأرجأنا البحث فيها إلى مرحلة أخرى (وبرغم أن كل منا كان يعرف هذه الوسائل، فكان هناك ملك فاسد وحاشية انتهازية وأحزاب لا يهمها إلا شهوة الحكم - وبرلمان بعيد عن واقع الشعب لا يمثل إلا طبقة الحكام). 
وهذا التنظيم السري کان تنظیما موسعا تنقصه شروط الأمن الكافية ، ومع ذلك لم ينكشف أمره أبدا إلا بعد حملة فلسطين، وقبض على بعض أفراد منه للتحقيق، ثم أفرج عنهم لعدم ثبوت الأدلة. ولا أدعي أن هذا التنظيم هو نفس تنظيم الضباط الأحرار. لكن بعد عودتنا من حملة فلسطين استمر التنظيم في عقد اجتماعاته في الوقت الذي كان فيه تنظيم الضباط الأحرار آخذا في التكوين، ودخله بعض أعضاء من تنظيمنا
كذلك انشق من هذا التنظيم في مرحلة لاحقة تنظيم الحرس الحديدي وكان أغلبنا معارضين لفكرة تكوين الحرس الحديدي لتعاونه مع الملك، وهو أحد عناصر الفساد المحددة. ولذا استبعدنا جميع الذين انضموا إلى الحرس الحديدي ومنهم : سید جاد عبد الله ، وحسن التهامي و مصطفی کمال صدقي وخالد فوزي وغيرهم
تنظيمات أخرى من الضباط 
الم تتوقف التكوينات الوطنية بالجيش المصري عبر تاريخه فبينما كان هناك ظلم واقع على الشعب المصري كانت هناك دائما تكوينات من ضباط الجيش المصري المواجهة هذا الظلم والذي كان غالبا ما يعاني منه هو أيضا مثل هذه الحركات التي برزت بشكل واضح في الثورة العرابية . حتى في عصر القهر الكامل، وبعد مقتل سردار الجيش المصري بالسودان السير لي ستاك في 19 نوفمبر سنة 4 
۱۹۲. كانت هناك تكوينات من الضباط الوطنيين المصريين والسودانيين وقفت في وجه الإنجليز والملك ورئيس وزارته عندما طلب الإنجليز من الجيش المصري بالسودان تسلیم سلاحه والانسحاب من السودان. كما حوكم وأعدم بعض الضباط المصريين والسودانيين وقبل ذلك أيضا تكونت تنظیمات من ضباط الجيش المصري في السودان لجمع توقيعات الضباط المصريين وأفراد الجالية المصرية بالسودان لتأیید سعد باشا زغلول وتفويضه ووفده في تمثيل الأمة للمطالبة بالاستقلال عندما أعلن الإنجليز أنهم لايمثلون رأي الشعب. وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية ، وفي سنة ۱۹۶۰ تحديدا، وعندما رفضت السلطات المصرية دخول مصر الحرب مع بريطانيا ، واكتفت مصر بتنفيذ البند السابع من معاهدة سنة 1936 التي تلزم مصر في حالة اشتراك بريطانيا حليفتها في الحرب أن تقدم فقط تسهیلات للمجهود الحربي البريطاني من طرق مواصلات ومطارات وأماكن إيواء . كان الجيش البريطاني - آنذاك في أمس الحاجة إلى الأسلحة وبخاصة المدفعية بأنواعها، والتي كان الجيش المصري مزودا بها بمستوى لا بأس به . طالبت قيادة الجيش البريطاني في مصر السلطات المصرية . بأن يقوم الجيش المصري بتسليم أسلحة إلى الجيش البريطاني. وتكونت في الحال مجموعة وطنية صغيرة من ضباط المدفعية في حامية مرسی مطروح. قررت فيما بينها وجوب تحريض باقي ضباط وقوات الحامية في التصدي لهذا الأمر برفض تسليم الأسلحة لهم بأي حال
كان هذا التجمع من الضباط المصريين يضم دون ذكر الرتب: عبد المنعم أمين، و أبراهيم حافظ عاطف، وأحمد فؤاد، ومنصور المغربي، وحافظ إسماعيل ، ومصطفى لطفي وحسين الهادي
وانتهت الحرب العالمية الثانية، ثم اشترك الجيش المصري في حملة فلسطين ، 
وتفرق شمل هؤلاء الضباط . وكذا تنظيم الوطنيين السري
وفي أوائل عام 1951، وبعد حملة فلسطين تجمع شمل بعضهم وانضم إليهم 
الضابطان عبد الحميد الدغيدي وحسين محفوظ. وإزاء ما كان يعانيه الشعب المصري وقتها من تجاوزات السفارة البريطانية وتسلطها على أمور البلاد، وخضوع القصر والوزراء لها، وبسبب الفشل الذي عاد به الجيش المصري من حملة فلسطين نتيجة جهل القيادة وتصرفات السياسيين، وفضائح صفقات الأسلحة التي كان اللحاشية الملكية ضلع فيها، عاد هذا التجمع، أو التنظيم ، إلى الاجتماع في منزل إبراهيم حافظ عاطف بشارع جسر السويس وتشاوروا وقاموا بصياغة انتقاداتهم في أمور بلادهم في شكل منشورات، وقام إبراهيم حافظ عاطف بمسئولية كتابة وطبع وتوزيع هذه المنشورات من داخل الوحدة التي كان يقودها في مدرسة المساعدة الجوية، وساعده في الكتابة على الآلة الكاتبة الكاتب المدني المرحوم صلاح عبد الحميد. وتطوع الضابط المرحوم على لبيب حسني بالطباعة كما اشترك بعض المدنيين في مرحلة لاحقة في هذا العمل ومنهم المرحوم الدكتور عبد الحميد حسين. وكان المنشورات تلك المجموعة صدى طيب الأثر في أوساط الضباط الذين وزعت عليهم وبمجرد توزيع أول منشور، اتصل بالمجموعة كمال الدین حسین و علي فوزي يونس واقترحا البدء في عمل تنظيم وخلايا حتى يتحقق العمل الجاد المنظم بأقصى قدر من الأمان
مجموعة أخرى من الضباط 
كون الضابط مصطفی کمال صدقي مجموعة جديدة مع جزء من المجموعة السابق تكوينها في سنة 1946 وضم إليها بعض صولات الجيش وكان يجمع أفرادها مع بعض أعضاء تنظیم سنة 1946 مما جعل أحد الصولات یلم ببعض المعلومات عن التنظيم
وفي أكتوبر سنة 1947 أبلغ هذا الصول واسمه جمال جلال من مجموعة مصطفی کمال صدقي (وكان قد حضر بعض الاجتماعات وتعرف على كثير من أسماء الضباط) أبلغ الصول وزارة الداخلية أن لفيفا من ضباط الجيش يقوم بالتجهيز الاغتيال الملك أثناء موكبه إلى البرلمان ، وأبلغ عن أسماء ۲۹ ضابطا متآمرا وكان من الجماعة السرية التي كنت أجتمع فيها ولم يشملني هذا الاعتقال. أمر رئيس الوزراء، النقراشي باشا بمراقبة هؤلاء الضباط ولما لم يثبت عليهم أي تأمر فقد صرف النظر عن اتخاذ أي إجراء
ولما لم يستجب رئيس الوزراء لهذا البلاغ قام الصول جمال جلال بتبليغ ذلك إلى عطا الله باشا رئيس هيئة أركان حرب الجيش، الذي أبلغ بدوره الملك فاروق وأمر الملك عطا الله باشا باعتقالهم، وجرى التحفظ عليهم في ميس المشاة . وأجرت النيابة العامة معهم تحقیقات قام بها النائب العام حافظ سابق، ولم يثبت 
عليهم أي شيء وأفرج عنهم وكان من الضباط المعتقلين كل من (دون ذكر الرتب): ارشاد مهنا، عبد الرءوف نور الدين، عثمان فوزي، عبد الحميد كفافي، أحمد يوسف حبيب ، صول فني محمد حسين، أنور الصيحي، عبد القادر طه، مصطفی کمال صدقي، حسين فهمي عبد الحمید مصطفی نصیر، عبد المنعم عبد الرءوف، ممدوح جبه
وعقب ذلك أعفى عطا الله باشا من منصبه، وعين بدلا منه عثمان المهدي باشا 
رئيسا لهيئة أركان حرب
۳۹ 
معارك ۱۹۶۸ 
با 
في أوئل عام 1948 أعلنت بريطانيا فجأة أنها ستنهي انتدابها على فلسطين في 15 مايو سنة ۱۹۶۸ دون أن تنتظر حلا من هيئة الأمم المتحدة، تاركة عرب فلسطين العزل في قبضة العصابات الصهيونية المسلحة تسليحا شاملا حيث انضم إلى إسرائيل «الفيلق اليهودي» الذي كان يشكل إحدى وحدات الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية
وعند صدور قرار الأم المتحدة بإنشاء دولة إسرائيل في 15 مايو سنة 1948 كان الملك فاروق قد استأثر بالسلطة السياسية في مصر. وكان لتدخله السبب الرئيسي في دخول مصر بجيشها إلى فلسطين دون الاستعداد . وبنفس الأسلوب المريب زج زعماء الدول العربية الأخرى بجيوشهم في حرب لم يتخيروا توقيتها وهم على غير استعداد لها
وحتي ۱۱ مایو سنة 1948 كان رئيس الوزراء النقراشي باشا لا يزال يرفض اشتراك الجيش المصري في الحرب بدعوى أن وجود القوات البريطانية في قاعدة القنال سیکشف الجيش المصري وقد يهدد سلامة هذا الجيش، وخطوط مواصلاته في الأوقات الحرجة بسبب تعاطف إنجلترا مع إسرائيل
وفجأة في يوم ۱۲ مایو سنة 1948 طلب النقراشي اجتماع البرلمان، وبصفة 
عاجلة . وفي جلسة سرية أقنع الأعضاء بالتصديق على دخول الجيش المصري إلى فلسطين. والحقيقة أن حيدر باشا وزير الدفاع المصري كان قد تجاوز سلطاته. ودون أن يأخذ رأي مجلس الوزراء أصدر الأوامر إلى الجيش باجتياز الحدود إلى فلسطين دون أن ينتظر عرض الموضوع على البرلمان كما يقضي دستور البلاد. وكان تبريره 
41 
لذلك أنه ينفذ أوامر الملك بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. وكضباط وطنيين شبان خلال تنفيذنا للأوامر وأثناء التحركات والعمليات كان لا يغيب عن وعينا هذه المهزلة من التجاوزات
على الطريق إلى فلسطين 
وجاء يوم ۱۳ مایو وکنت ضابطا برتبة ملازم أول بالكتيبة التاسعة مشاة ، 
فصدرت الأوامر بالتحرك إلى حدود فلسطين وتوجهت الكتيبة بجميع وحداتها إلى رصيف محطة العباسية العسكرية بالقاهرة. وقبل أن نصعد إلى القطار الحربي الذي أقلنا إلى الميدان حضر إلينا قائد القوات المصرية المعين لقيادة هذه الحملة اللواء المواوي. وبعد فترة حضر أيضا رئيس هيئة أركان حرب الجيش اللواء عثمان المهدي باشا. وقبل أن يتحرك القطار أطل علينا المواوي وإذا به يلقي علينا خطابا استهان فيه بقوات العدو فأخذ يصفها بأنها كالعصابات الإجرامية التي يطاردها البوليس المصري في الصعيد
واندهش الكثير منا لمدى استهتار القائد الموكل إليه أرواح شباب الأمة ، حيث إن جميعنا قد قرأ في الصحف قبل قيام الحملة عن عنف الإرهاب الصهيوني، وما كان يعانيه الجيش البريطاني نفسه على يد تلك العصابات . بالإضافة إلى الفيلق اليهودي المدرب على أحدث فنون القتال التقليدي
أخذ الشك يساورنا إن كان هذا القائد قد كلف نفسه مشقة البحث والتدقيق فيما هو مقدم عليه حتى يتسنى له القيام بالتخطيط العسكري السليم كما يقضي بذلك منصبه القيادي . وأثناء هذه الكلمة أخذت أبحث بعيني بين صفوف الرئاسات عن وجوه هيئة مكتب هذا القائد، وميزت بينهم وجه أركان حربه الصاغ «فرید عبد الله» الذي كان يدرس لي مادة التكتيك بالكلية الحربية. حيث كان يتقن دروس مادته على الورق وعلى تختة الرمل فاطمأننت بعض الشيء وحدثت نفسي أنه لا بأس أن يكون القائد بهذا المستوى المنخفض إذا ما كانت هيئة مكتبه للعمليات علي كفاءة عالية ليعوضوا عجز القائد
۶۲ 
على الحدود المصرية الفلسطينية 
عندما وصل القطار بنا إلى العريش، تم احتلالنا لمواقع ميدانية في العراء دون أي 
تجهيز مسبق رغم أننا كنا لا نزال في أرض مصرية
وفي العريش وزعت علينا خرائط الميدان التي تغطي معظم أرض فلسطين وكان عددها ضخما وجدت صعوبة كبيرة في حفظها داخل ربطة الفراش المخصصة 
النومي. وكان الواجب أن نوزع على الضباط الصغار أمثالنا خريطة أو اثنتين حسب المعارك المنتظرة لنا ثم تسحب بعد كل معركة وتوزع للمعارك التي ستأتي بعدها خرائطها وهكذا
بعد أن أمضينا في العريش يومين في العراء ، تقدمنا إلى الحدود الفلسطينية في رفح وأمضينا الليل هناك. وفي الصباح اجتزنا الحدود المصرية الفلسطينية وعلى الفور اشتركت الكتيبة السادسة مشاة تحت قيادة القائد جاد سالم في معركة الدنجور 
مستعمرة إسرائيلية بالقرب من رفح. وفي أثناء المعركة اتخذت جميع القوات المصرية شكل الطابور في مكان ما على الطريق إلى غزة بالقرب من رفح، ومكثنا ننتظر نتيجة المعركة. وبعد مدة بسيطة من سماعنا لأصوات تبادل نيران المدافع والأسلحة الصغيرة بدأنا نشاهد العديد من عربات الإسعاف التي أخذت تحمل المصابين المصريين مارة من أمامنا في طريقها إلى مستشفيات الميدان المتحركة. وفي الظهيرة علمنا بكثرة الخسائر في الضباط والجنود المصريين، إلا أن الكتيبة المصرية لم تتمكن من الاستيلاء على المستعمرة
بعد سماعي لهذه الأخبار سحبت خريطة الميدان الخاصة بهذه المعركة والمنطقة المحيطة بمستعمرة الدنجو. كانت هذه المنطقة تغطى المسافة بين رفح وغزة وأخذت في حصر عدد المستعمرات الإسرائيلية المماثلة والتي تنتشر في نفس المنطقة وكانت واضحة على الخرائط بدوائر حمراء فوجدت عددها لا يقل عن 45 مستعمرة صهيونية . وهذه المستعمرات كانت تشكل جزر مقاومة دفاعية حصينة تحمي بعضها بعضا بواسطة نيران المدفعية وكل منها بالقطع كان مثل مستعمرة الدنجور في مناعتها ومحاطة بأسلاك شائكة وألغام كموانع دفاعية منشأة على أحدث النظم الدفاعية العسكرية آنذاك
وفهمنا من معلومات العائدين من القتال أن داخل المستعمرة توجد دشم حصينة مغطاة الأسقف ومن حولها أكياس للرمال لتحميها من قصف المدفعية المصرية . ويقف في هذه الدشم الجنود الإسرائيليون المدافعون وتربط هذه الدشم شبكة من خنادق المواصلات محفورة بحيث تيسر وتسرع من حركة الجنود المدافعين بين الدشم وبعضها وبين الدشم ومواقع الذخيرة وأماكن إخلاء الجرحى حتى تمكنهم من تعويض الخسائر وسد الثغرات بسرعة أثناء الهجمات والقصف. كما لاحظت القوات المصرية التي اشتركت في معركة الدنجور أن لدى الصهاينة مدافع هاون يحسنون استخدامها وتوجيهها، فقد كان القصف متواصلا من المستعمرات المحيطة للدنجور لمساعدتها في صد هجوم الجنود المصريين كما كانت توجه بعض نيرانها على طابور الجيش المصري المنتشر على الطريق ، إلا أن مدفعية الميدان المصرية كانت متفوقة جدا على المدفعية الإسرائيلية، ولذلك عندما بدأت المدفعية المصرية بالرد وقامت بقصف المستعمرات الأخرى المحيطة بالدنجور توقف الضرب الإسرائيلي على طابور الجيش المصري المنتظر على الطريق . بعد اطلاعي على هذه المعلومات بالإضافة إلى ضخامة عدد المستعمرات المماثلة مع مقارنتها بكثرة الخسائر التي منيت بها قوات الهجوم المصري دون أن تحقق هدفها تكشف لي أن معركتنا مع إسرائيل لا يصح أن تكون بهذه الصورة بأي حال من الأحوال وإلا فني الجيش المصري بأكمله قبل أن يشترك في معركة فاصلة فإزاء كثرة الجزر الدفاعية الحصينة من المستعمرات ستهلك جميع قواتنا إذا استمرت محاولاتنا في الهجوم على مستعمرة تلو الأخرى. كما أن إسرائيل لا بد أنها لديها قوات هجوم أخرى لم نتعامل معها بعد، ولا بد أنهم سيستخدمونها بعد أن تستنفد قواتنا. وعلى قدر تفكيري العسكري كضابط صغير توقفت عند هذا الحد فقد صدرت إلينا الأوامر عصر ذلك اليوم بأن نسرع بالتقدم صوب غزة قبل حلول الظلام حتى تتمكن القوات المصرية من السيطرة على المناطق الفلسطينية حسب مشروع التقسيم
ونحن على الطريق إلى غزة أغارت علينا بعض الطائرات الإسرائيلية، ولكن طابورنا المتحرك كانت تحميه قوة مصرية لا يستهان بها من المدفعية المضادة للطائرات من مختلف الأنواع الثقيلة والمتوسطة والخفيفة) فتصدت مدفعيتنا للطائرات المغيرة فأصابت إحداها ولاذت الطائرات الأخرى بالفرار دون أن تتمكن من إصابتنا أو 
44 
إسقاط قنابلها علينا وقد كان لتلك المناوشة الصغيرة أثر طيب في رفع معنوياتنا التي كانت قد اهتزت بسبب مشاهدتنا لخسائر جنودنا في الدنجور
الوصول إلى غزة 
قبل أن تصل إلى غزة كان علينا أن نمر خلال طریق مزروع بجزر المقاومة الدفاعية من مستعمرات العدو. ولكن الطابور المصري المتقدم الذي كان يضم جميع القوات المصرية المحاربة بمختلف أسلحتها وتشكيلاتها كان هذا الطابور وللحق تشکیلا منظما تتوافر لأجنحته ومقدمته ومؤخرته الحماية الجيدة أثناء التحرك
ولم يكن في مدينة غزة أية قوات إسرائيلية عندما وصلنا إليها وكان ذلك طبقا المشروع التقسيم الدولي، واصلت كتيبتي السير متخذة مواقع دفاعية للمدينة التي اتخذتها القوات المصرية مركز الرئاسة القوات وتجمع الحشود
وضمن خطة الدفاع الشاملة مع باقي الكتائب اتخذت باقي كتيبتنا مواقع دفاعية أخرى لتجعل من غزة منطقة دفاعية منيعة. و«تلال علي المنطار» كانت تمثل موقعا دفاعيا حصينا إذا أحسن احتلاله حيث إنه يحيط بغزة من الجهة الجنوبية والجنوبية الشرقية. بعد إتمام عملية احتلال المواقع الدفاعية وفي ظلمة الليل وبعد أن ساد قواتنا شعور الاطمئنان الدفاعي أخذت أطل من موقعي المرتفع الحصين على وادي غزة وشعرت بالراحة والاطمئنان وفي سكون الوحدة التي يشعر بها المقاتل في المواقع الدفاعية عاودت التفكير في أحوالنا العسكرية
وتذكرت خطاب القائد على رصيف محطة العباسية وتأكيده لنا أننا سنواجه شرذمة من العصابات الإسرائيلية لا تحتاج لأكثر من جهد رجال البوليس في مطاردة عصابات الصعيد، ثم تذكرت حجم الخسائر التي أصابتنا بسبب مستعمرة واحدة على يد عصابات الصعيد» على حد تعبير القائد ولم يكن أمامي سوى أحد استنتاجين إما أن هذا القائد وهيئة عمليات مكتبه وأركان حربه لم يقوموا بواجبهم البديهي من استطلاع واستكشاف وجمع المعلومات لمدى قوة العدو، وبذلك يكون تفكيرهم قد توقف عندما وجدوا أنفسهم في وسط المعركة، أو أن هيئة عمليات 
ذلك القائد آثرت الطاعة العمياء له فسمحت له أن يبدأ الحرب بأسلوب البوليس في مطاردة المجرمين
وحتى تهدأ نفسي بعض الشيء أخذت أقارن بين قواتنا العسكرية وقوة العدو . كان التسليح الإسرائيلي حسب المعلومات المتاحة بعد تجربة الدنجور يتكون من قوات مشاة مسلحة تسليحا جيدا تساعدها في الدفاع مدافع الهاون وفي حالة ممتازة وتستخدم استخداما في غاية الكفاءة ، إلا أنه كان من الواضح أن إسرائيل لا تزال تفتقر إلى مدفعية الميدان الثقيلة التي لم يظهر لها دور على الإطلاق في هذه المراحل الأولى. أما الطيران الإسرائيلي فكان ضعيفا للغاية، كما كان لدي الإسرائيليين مصفحات مصنوعة في فلسطين من مخلفات العربات العسكرية البريطانية ومن عربات اللوري حيث قاموا بصنع ألواح من الدروع حول هذه العربات، فكانوا يستخدمونها بكثرة في مهاجمة القرى العربية معزولة السلاح أو ضعيفة التسليح، فلم تواجه هذه الدروع في تلك الهجمات أية أسلحة مضادة . وكان الجيش المصري يتفوق عليها لأن لدينا مدفعية على أعلى مستوى وأسلحة مضادة للدروع والدبابات
أما الجيش المصري فكان يتكون من تسع كتائب فقط من المشاة وثلاث كتائب مشاة أخرى ضمن لواء جديد تحت التكوين، بالإضافة إلى كتيبتين كاملتين من مدافع الماكينة الفيكرز جيدة التسليح وهي موزعة على كتائب المشاة التسع كسلاح مساعد، بالإضافة إلى ذلك كانت كتائب المشاة مسلحة بمدافع مضادة للدبابات من عیار 6 رطل، وهو سلاح كانت تفتقده إسرائيل في ذلك الوقت. وبذلك كان سلاح المدفعية المصرية سواء مدافع الميدان أو المدافع المضادة للدبابات أو المضادة للطائرات متفوقا تفوقا ساحقا من حيث التسليح والكفاءة والتدريب على سلاح المدفعية الإسرائيلي. أما الطيران المصري فقد كان أكثر كثافة وأكفأ بمراحل من الطيران الإسرائيلي
كان النقراشي باشا قبل أن يورطه الملك بدخول الجيش المصري الحرب من أنصار تکوین تشکیلات و تنظیمات من المتطوعين والفدائيين العرب، فسمح لكثير من الضباط المصريين أن يتركوا وحداتهم وينضموا لهذه التشكيلات الفدائية بحيث يتم تسهیل وضمان تسليح وتدريب هذه القوات من المتطوعين، ثم يندفعون هم في حرب عصابات منظمة من داخل القرى والمدن العربية في فلسطين، فيتم في النهاية 
۶۶ 
تسلیح معظم هذه القرى وتقويتها وتحصينها وبالتالي تضعف تدريجيا قدرة العصابات الصهيونية، وتصبح هي ذاتها تحت رحمة مقاومة الأهالي والمتطوعين العرب، وفعلا قبل إعلان مصر دخول الحرب بجيشها النظامي بادر أعداد من شباب الضباط المصريين بالتطوع ومعهم أعداد هائلة من شباب مصر خاصة شباب الإخوان المسلمين، وتكون منهم تشکیل توجه بالفعل داخل الحدود الفلسطينية قبل دخول الجيش المصري. وكان هذا التشكيل بقيادة الضابط أحمد عبد العزيز الذي استشهد في هذه الحملة وهو من أكفأ وأشجع ضباط الجيش المصري، كما كان يدرس لنا مادة التاريخ العسكري ونحن طلبة في الكلية الحربية ، كما انضم إليه نخبة من ضباط الجيش منهم كمال الدين حسين وعبدالمنعم عبد الرءوف وغيرهم. وعندما تذكرت ذلك شعرت ببعض الندم لعدم انضمامي لصفوف المتطوعين وكان عذري هو صغر رتبتي وعدم علمي - حسب ما أتذكر بطريقة التطوع حينئذ
عند ذلك أيقنت أنه كان من الأجدى أن تجمع التبرعات على مستوى الأمة العربية قبل ذلك بمدة ليتم شراء أسلحة ومعدات وذخائر، وليتم تسليح شعب فلسطين العربي في المدن والقرى، وتقوم هيئة عربية بالتخطيط لتسليح ووضع خطط الدفاع لهذه القرى والمدن العربية لتكون قادرة على صد أي هجمات من العصابات الصهيونية المسلحة التي أرعبت الشعب الفلسطيني بالمذابح والغارات، وبذلك يصمد الشعب في مكانه . كما كان من الأصوب أو هكذا تراءى لي أن يتم تسريح الجيوش العربية النظامية أو جزء منها وإرسالها إلى فلسطين العربية كما فعل بعض المتطوعين العرب، فتقوم بشن حرب العصابات على المستعمرات الإسرائيلية بحيث يصبح باقي الجيش كقوة ضاربة احتياطية يتم استخدامها في المعركة الفاصلة عندما يحين الوقت المناسب لدخول القوات العربية النظامية للإجهاز على الجيش الإسرائيلي بعد إنهاکه
وبقيت في خندقي أتنقل بين أحلام اليقظة وفجأة تنبهت إلى أن الفجر بدأ ينتشر نوره فعاودتني الثقة والاطمئنان بقوة جيشنا على الرغم من ضعف القيادة. وأطل على ضوء الصباح ووقع بصري على أجمل ما رأته عيناي من مناظر فرأيت الخضرة وأشجار البرتقال والسرو الجميلة وهي تنبسط على امتداد البصر أمام الموقع وامتلأت بالثقة والأمل في جنود مصر وشبابها



الأحجام والإقبال 
بعد أن أمضت القوات يوما للراحة في غزة، كلفت قيادة القوات الكتيبة الأولى مشاة بالهجوم على مستعمرة دير سنيد، وهي مستعمرة حصينة تقع بالقرب من غزة، ويبدو أن الاستعداد لهذا الهجوم كان أدق وأشمل من الإعداد لمعركة الدنجور حيث تم الاستكشاف المسبق لها. ولذلك وعلى الرغم من قوة هذه المستعمرة إلا أن الكتيبة الأولى أمكنها الاستيلاء عليها بخسائر قليلة في الجنود ومرتفعة بعض الشيء في الضباط (حيث استشهد في هذه المعركة حوالي 7 ضباط و ۳۰ جنديا)، وسقط الشهيد الأول من دفعتنا في هذه المعركة وهو الملازم مصطفی کمال عثمان. وبعد تلك المعركة بعدة أيام كلفت كتيبتي التاسعة مشاة بمهاجمة مستعمرة «نيتساليم».. 
معركة نيتساليم 
عندما صدرت إلينا الأوامر بالاستعداد لمهاجمة «نیتساليم» من قائد الكتيبة القائمقام محمد كامل الرحماني ومعه قادة السرايا (4 سرايا في الكتيبة) وقادة الفصائل المعاونة (قادة فصائل الهاون - والمدفعية المضادة للدبابات الملحقة على المشاة والحمالات المدرعة ومدافع الماكينة وبسلاح الإشارة) بالاستكشاف الدقيق قبل المعركة (كما تقضي أصول الحرب) وعندما تم وضع الخطة شرحت لنا بالتفصيل وصدرت إلينا الأوامر المباشرة بالاستعداد ، فانتشرت السرايا الأربعة بالكتيبة ومن ضمنها الفصيلة التي كنت قائدها. وتم انتشار الجنود على خط يبعد مسافة كافية عن مرمى نيران أسلحة العدو الخفيفة . وكلفت كل سرية بالهجوم على أحد الأضلاع الأربعة للمستعمرة
وفي اللحظة الحاسمة بدأنا المعركة فقامت مدفعيتنا الميدانية من عيار ۲۰ رطلا 
49 

بالقصف المركز لمدة نصف ساعة ومعها في نفس الوقت المدفعية المضادة للدبابات الموزعة على السرايا بضرب محکم مستخدمة القذائف الحارقة وقنابل شديدة الانفجار، موجهة نيرانها على الدشم الحصينة المواجهة لكل سرية مصرية
وخلال القصف وقبل أن تتوقف المدفعية بخمس دقائق صدرت لنا الإشارة بالتقدم إلى الأمام. وعندما توقف القصف انبطح الجميع متخذين سواتر طبيعية من الأرض التي أمامنا، ثم أخذ كل من الجنود والضباط في الضرب على المستعمرة حيثما تراءى لكل منهم. ثم استأنفت المدفعية الضرب بعد خمس دقائق. وخلال الضرب قمنا بقفزة جديدة إلى الأمام وفي القفزة الرابعة وقبل أن تتوقف المدفعية للمرة الأخيرة قامت بضرب قذائف من الدخان، وفي حماية هذا الساتر من الدخان تقدمنا بأسرع ما يمكن حتى اقتربنا من الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمستعمرة
وقام رجال سلاح المهندسين بتفجير الأسلاك الشائكة والألغام المدفونة تحتها بواسطة ألغام خاصة أسمها «طوربيد بنجالور، وهي مواسير طويلة بها شحنة من المتفجرات»، وبذلك أحدثت ثغرة مكنت رجال المشاة من الاقتحام
وخلال عملية الاقتحام وبعد دخولنا سور الأسلاك الشائكة تأخرت سريتي بعض الشيء على الضلع الشرقي للمستعمرة لوجود مقاومة شديدة من إحدى الدشم المواجهة لنا، والتي لم يكن قد نال منها ضرب المدفعية المصرية بعد
وفجأة رأیت إشارة النجاح من طبنجة إشارة إحدى الفصائل الأخرى التي تمكنت من اقتحام الموقع قبلنا ( كانت طلقة خضراء ثم تبعتها طلقة أخرى بيضاء بلون العلم المصري في ذلك الوقت). وكان رد فعل قائد سريتنا سريعا، فقد وجه من موقفه قذائف المدفعية المضادة للدبابات على الدسمة المستعصية، وفي لحظات شاهدنا انفجار الدشمة فنهضنا من مواقعنا واقتحمنا الدسمة المهدمة، وانضمت بذلك سريتي لباقي سرايا الكتيبة التي تمكنت من احتلال جميع دشم الدفاع المستعمرة نیتسالیم، فانتهت المعركة بنجاح والفضل لدقة الاستكشاف ودقة الخطة والتوقيت الجيد وقبل كل ذلك ثبات الرجال. وبعد نهاية المعركة تمكنا من أسر ثمانية جنود وخمس مجندات بينما خسرت قواتنا من الضباط اليوزباشي خليف، ومحسن حمد، و مصطفی حامد، وأركان حرب الكتيبة الصاغ سلیمان عفيفي
وبعد حصر الأسلحة التي جمعناها من العدو وجدنا في الدشم بأركان المستعمرة بنادق قناصة يبدو أنها كانت تستخدم في اصطياد الضباط بعد تمييزهم من الزي والتسليح المختلف فقمنا بتبليغ هذه الملاحظة وبناء على ذلك استبدل الضباط ملابسهم بنفس زي الجنود حتى نتفادى بقدر الإمكان خسائرنا العالية في الضباط
وبعد هذه المعركة انسحبت كتيبتي إلى موقع دفاعي في غزة. وأمضينا أياما 
بين المعارك في إعادة تدريب الجنود خلال فترات الصباح وفي صيانة وتنظيف الأسلحة وتعويض الخسائر والذخائر . وفي تلك الفترة كانت تصلنا الصحف والمجلات المصرية التي كنا نقف منها على روح الشعب المصري في القاهرة . وبقدر سعادتنا بأفراح الشعب المصري عند سماعه أخبار انتصاراتنا بقدر أسفنا لما كان ينشر في روز اليوسف من أخبار مجتمع طبقة الحكام. | 
م 
الهدنة الأولى (11 يونيوإلى 7 يوليو سنة 1948
وبعد معركة نيتساليم ثاني معركة ينتصر فيها الجيش المصري وبشائر النصر تظهر للعرب عامة ومصر خاصة، أعلنت الهدنة فجأة. وقبلت مصر الهدنة، والتزمت بها وانتشر التساؤل بين الضباط عن حكمة وسر قبولنا الهدنة ونحن في أحسن أحوالنا العسكرية. وخلال الهدنة أعاد العدو تنظیم نفسه، وتدفقت عليه المعونات العسكرية والمهاجرون والمتطوعون من اليهود. وانهالت عليه الأسلحة من الشرق والغرب وقبل نهاية الهدنة، يطلب العدو مدها ثلاثة أيام أخرى لتكون لديه فرصة أكبر للاستعداد فرفضت مصر الهدنة. واستؤنف القتال ولكننا بدأنا نشعر بزيادة مفاجئة، في أسلحة العدو؛ ازدادت مقاومته وظهرت لأول مرة الطائرات الحديثة في تشكيلات الإسرائيليين التي لم يكن لها أثر قبل الهدنة . وكذلك تم استكمال نقص المدفعية التي عانوا منها قبل الهدنة
وفي الوقت نفسه تقدم الكونت برنادوت المبعوث الدولي للأمم المتحدة بمشروع التقسيم المشهور، فرفضت إسرائيل ، وامتنع العرب عن إبداء الرأي فيه. ثم قامت إسرائيل باغتيال الكونت برنادوت الوسيط الدولي. كما اغتيل أحمد عبد العزيز قائد الفدائيين المصريين وهو مسافر ليلا على الطريق بين الخطوط المصرية الأردنية


معركة أسدود 
وأثناء الهدنة الأولى تحركت كتيبتي لاحتلال موقع دفاعي متقدم على مشارف بلدة أسدود (بالقرب جدا من العدو). فكان الموقع بالنسبة لنا مثاليا حيث كان يقع على حافة خور شديد العمق، ويبعد أمام مدينة أسدود بحوالي كيلو مترين، وتبعد مدينة أسدود بحوالي 35 كم فقط عن يافا. فكان هذ الخط الدفاعي آخر مواقعنا وفي ليلة حالكة الظلام وبعد انتهاء الهدنة الأولى فتحت المدفعية الإسرائيلية نيرانها على مواقعنا الدفاعية في أسدود، فردت عليها المدفعية المصرية بنيران كثيفة. وبعد فترة طويلة توقف ضرب المدفعية الإسرائيلية، ولكن المدفعية المصرية استمرت في الضرب والتوقف عى فترات متتابعة خشية أن يكون ضرب المدفعية الإسرائيلية تمهيدا لعملية أكبر أثناء الليل. وتوقف الضرب من الطرفين فجلست داخل خندقي في رئاسة الفصيلة أتسامر مع زميلي عبد المنعم خليل قائد الفصيلة المجاورة لي في المواقع وهو من نفس سريتي. وفجأة تسلل إلى خندقنا شاويش الفصيلة «الشاویش وهبة» وكان رجلا رياضيا يقوم بتدريب السباحة لرجال الجيش قبل الحملة . فطلب مني تزويده بأكبر كمية من القنابل اليدوية ثم قام بتجهيزها أمامنا بحيث تكون معدة للاستخدام، ووضعها جميعا داخل حقيبة «الجراية » الخاصة به (وهي حقيبة من قماش البل يزود بها كل جندي في الميدان تثبت على جانبه ليحتفظ فيها بتعيين الميدان). وأخبرنا أنه كان في أحد خنادق المواقع الأمامية المشرفة مباشرة على الخور فسمع أصواتا تأكد أنها أصوات تسلق أفراد من العدو للخور وأنه يجب التعجيل باكتشاف الأمر، وإلا فاجأنا العدو بعملية اقتحام خطوطنا الدفاعية. فتركنا الشاویش وهبة وذهب حاملا حقيبة الجراية المملوءة بالقنابل اليدوية ، وتوجه نحو الموقع الذي اكتشف الأصوات منه وقبل أن يذهب اتفق معي على إشارة خاصة بحيث يقوم بالصفير عندما يتأكد تماما من التسلل فإذا سمعت الصفير أقوم على الفور بضرب طلقات إشارة لتنير الموقع وما حوله خاصة في الخور
وذهب الزميل عبد المنعم خليل إلى موقعه وبعد عدة دقائق سمعت صفير الشاویش وهبة، ثم تلا ذلك مباشرة صوت انفجار قنبلة يدوية أو اثنتين، فقمت على الفور بضرب طلقة مضيئة . أضاءت الخور. وبعدها مباشرة سمعت انفجارات 
۵۲ 
متتالية لقنابل الشاویش وهبة ثم تتابعت أصوات قنابل أخرى من خطوطنا ويبدو أن الإسرائيليين تمكنوا حتى الصباح من إخلاء جرحاهم، واستولينا منهم على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات. وكان من ضمن الغنائم جهاز لاسلكي مصنوع في تشيكوسلوفکيا وكان يعتبر في ذلك الوقت من أحدث الأجهزة التي يمكن حملها على الظهر. وأثناء وقوف بعض الضباط من الوحدات المصرية المجاورة على حافة الخور وهم يشاهدون آثار المعركة معتقدين أن المعركة قد انتهت إذا بطلق ناري يصيب الزميل عز الدين مختار (وكان من كتيبة أخرى) في كتفه . وشعرت أن العدو لا يزال يحتل موقعا قريبا فأخذت أتفحص المنطقة الفضاء أمامي بمنظاري المكبر وفجأة لاحظت حركة في سطح أحد المباني البعيدة ، وكان المبنى شبه مهجور ويبعد بحوالي كيلو مترين عن مواقعنا. ذهبت في الحال إلى موقع المدفعية المضادة للدبابات الموجود تحت قيادتي في الفصيلة وسألت حكمدار الموقع عما إذا كان لديه دانات شديدة الانفجار، وطلبت من الموقع توجيه مدفعيته على ذلك المبنى بعد تحديده لهم وأن يجعل الهدف هو سقف الدور العلوي. وانتظرت قليلا وأخذت أراقب المبنى بالمنظار المكبر حتى تم الضرب ورأيت جثثا تطير إلى أعلى . ولم تنتظر المدفعية أية أوامر أخرى، ففتحت جميع نيرانها على الموقع بشدة وإتقان حتی تهدم المبني تماما
وبعد أن توقفنا عن الضرب جاء قائد الحمالات المدرعة بالكتيبة الملازم أول سيد رفعت إسماعيل وركبت معه حمالته، وفي حراسة باقي الحمالات خرجنا نجوب ونطهر أرض المعركة ولم نجد أي مقاومة حتى وصلنا المبنى الذي دمرته مدفعيتنا ولم نجد سوى جثث قتلی فقط بأسلحتهم ومعداتهم وأجهزة اتصالهم ووجدنا في إحدى الغرف المهدمة خريطة ميدان أخذناها على عجل مع بعض الغنائم الأخرى وعدنا سريعا إلى مواقعنا لنتفحص هذه الخريطة بتأن وعلمنا من فحص الخريطة أن هذا المبنى كان العدو قد اتخذه مركزا للقيادة وعلى الخريطة علامات تدل على تفصیلات دفاعاتنا مما يدل على قيامهم بالاستطلاع الجيد قبل هذه المعركة الليلية ، كما يدل أيضا على احتمال وجود جواسيس لهم داخل خطوطنا
۵۳ 
الخريطة التي وقعت في أيدينا كانت تحتوي على رسومات وعلامات المواقعنا الدفاعية في العمق . وفعلا تذكرت عند ذلك أنه أثناء القتال الليلي كنت أشعر ببعض الطلقات الطائشة وهي تمر من فوق رءوسنا ومن خلف موقعنا وبالقطع كان بعض القناصة الإسرائيليين خلف مواقعنا. وبعد المعركة بعدة أيام انسحبت الكتيبة من الموقع الأمامي في أسدود للراحة في مواقع خلفية عند مدينة غزة
معركة تبة الفناطيس 
وفي مواقع الراحة في مدينة غزة وبعد منتصف الليل سمعنا تبادلا للنيران صادرا من موقع قريب من غزة. وبعد هدوء المعركة مرت نصف ساعة أو أكثرثم وصلتنا رسالة تليفونية لقائد سريتنا وسرية أخرى تأمرنا بالتأهب للتحرك والاشتراك في معركة قادمة. وتحركنا أثناء الليل، فعلمنا عندما وصلنا إلى موقع قريب من میدان المعركة أن مستعمرة نیتساليم التي سبق استيلاؤنا عليها قد أغار عليها الإسرائيليون بعد منتصف الليل في معركة هجوم ليلي أيضا فتمكنوا من الاستيلاء على إحدى الدشم التي يحتلها المصريون، إلا أن بقية القوات المصرية الموجودة بالمستعمرة أمكنها استرداد هذه الدشمة، ولكن الإسرائيليين المنسحبين قاموا باحتلال موقع يشرف على المستعمرة وهو عبارة عن تبة عالية بها فناطیس مهدمة محل معسكر قديم للجيش الإنجليزي. وقد مكن هذا الموقع الجديد الإسرائيليين من إطلاق قنابل الهاون على مستعمرة نیتساليم مما أعطاهم القدرة على قطع خط الإمداد عن المستعمرة التي يحتلها الجنود المصريون ولذلك كانت مهمتنا الاستيلاء على تبة الفناطيس لتأمين وجودنا داخل المستعمرة. وصدرت الأوامر لقائد سريتنا (السرية 3 فصائل) بالهجوم، وتقدمنا تحت ستار ضرب المدفعية متبعین نفس تكتيك الهجوم السابق على مستعمرة نیتساليم فكنا نقوم بقفزات يتخللها ضرب متقطع للمدفعية
ولكن كلما تقدمنا مسافة بسيطة كنا نضطر للانبطاح أرضا فيتوقف تقدمنا بسبب كثرة الخسائر حيث تمكنت نيران العدو من إصابتنا حتى ونحن منبطحون أرضا فقد مكنهم موقعهم المرتفع من كشف جميع تحركاتنا فأصبحنا أهدافا سهلة
وعندما اقتربنا تماما من موقع الأسلاك الشائكة للإسرائيليين لم يعد من الممكن التقدم شبرا آخر، فكل من حاول الوقوف كان يصاب في الحال. ونحن على حالنا 
وه 
هذا قمت باختبار مدى إحكام تصويبهم لعل الفرصة تسنح بالهجوم فكنت أخلع الخوذة الخاصة بي، فأضعها على طرف السونکي وأرفعها إلى أعلى كأن أحد الجنود المصريين يحاول الوقوف والتحرك وبالفعل كانت الطلقات تتساقط بإحكام على الخوذة فأعيدها ثانية على رأسي، وبالتالي قبعنا بالسكون في مواقعنا. وحضر إلينا أركان حرب الكتيبة الجديد عبد الحكيم عامر الذي تولى هذا المنصب بعد استشهاد عبد السلام عفيفي وقد كان حديث التخرج من كلية أركان حرب وكان هذا هو أول لقاء لي به. | 
كانت مواقع العدو في (تبة) الفناطيس علی دشم و خنادق مواصلات لم يعمل بها أسقف للحماية (مکشوفة) ولذلك قام عبد الحكيم عامر بمراجعة مواقع ومسافات الدشم المكشوفة بدقة بحيث يتم إحكام الضرب فوقها مباشرة بدانات «الشرابنيل «Shrapnel» التي تتصف بخاصية الانفجار قبل الارتطام بالأجسام الصلبة في الهواء وأعلا الهدف مباشرة وبذلك يمكن للمدفعية المصرية إصابة القوات الإسرائيلية المدافعة داخل خطوطها المكشوفة، وهو ما لم يكن متاحا خلال خطة الضرب السابقة
ومن مواقعنا کنا نشعر بآثار انفجار دانات الشرابنيل فوق رءوس جنود العدو وأثناء الضرب بالأسلوب الجديد أردت أن أختبر مدى إحكام ضرب العدو علينا فرفعت الخوذة على السنكي مرة أخرى فلم تنطلق أية رصاصة نحوها دليلا على أن العدو حدثت به خسائر جسيمة وكرد فعل تلقائي نهضت دون تفكير وهتفت بأعلى صوتي «الله أكبر» فهب الجنود خلفي وهم يرددون نفس الهتاف العظيم الذي صار تیارا يدفعنا في حماس ودون خوف لنتقدم ونقتحم كأن صدمة كهربائية قد أصابتنا فتسري من شعر الرأس إلى أصبع القدم
ولاحظ أمباشي كان يقف بجانبي أحد الإسرائيليين يقف على مقربة من زملائي وقد أمسك في يده المرفوعة فوق رأسه قنبلة يدوية ورفع الأومباشي صوته ليحذرني فوجه بندقيته نحو الجندي الإسرائيلي وفي تلك اللحظة لمحت يده وهي تكاد تقذف بالقنبلة أمامي فقفزت جانبا في الوقت المناسب. وعندما أفقت، رأيت الجندي الإسرائيلي وقد مزقته القنبلة بعد أن أصابه الأومباشي فسقط على الفور إلا أن 
هه 
القنبلة انفجرت فيه قبل أن يتمكن من إلقائها علي وتنبهت على صوت بقية الجنود وهم يقتحمون بقية المواقع في نجاح بعد أن أطلق أومباشي آخر من جنودی طلقة الإشارة الخاصة بنجاحنا في اقتحام الموقع
وأثناء تلك الفترة الرهيبة من الشلل التام ونحن أسرى أماكننا وأنا فاقد القدرة 
على التقدم أو حتى التقهقر قبل الاقتحام مرت علي فترة تولتني فيها رعشة الخوف الشديد إلا أن الله أراد أن يلقنني درسا خاصا عمليا. وأنا على حالتي هذه حاولت إحدى الحمالات المدرعة أن تعاون في الاقتحام فتقدمت في سرعة فائقة صوب مواقع العدو، وكان خلف الحمالة بعض الجنود وبرفقتهم ضابط يحتمون خلفها ، ولكن العدو تمكن من إصابة الحمالة فتوقفت عن الحركة واضطر طاقمها إلى إخلائها والانبطاح أرضا وتملك الذعر الشديد الضابط الذي كان يحتمي خلف الحمالة فاستدار للخلف ، وأخذ يجري وهو في شدة الفزع ولكنه قبل أن يقطع مسافة كبيرة أصيب في ظهره وسقط مضرجا في دمائه فكانت صورة الضابط وهو يولي ظهره للقتال خوفا وفزعا صورة ألهبت الحماس في قلبي وتغلبت على مشاعر الخوف في داخلي
وتمت ترقيتي ترقية استثنائية من رتبة الملازم أول إلى رتبة اليوزباشي الاشتراكي في هذه المعركة بفضل الله وإلهامه. ورحم الله زملائي من الفصائل الأخرى الذين استشهدوا في هذه المعركة
مرة أخرى وافقت مصر على الهدنة الثانية وياليت مصر لم توافق على أي من الهدنتين. فحتى معركة قبة الفناطيس كانت قواتنا متفوقة في كل شيء إلا القيادة العليا . فقد أعطت فترة الهدنة الثانية فرصة للدول الكبرى لتدعيم وتقوية إسرائيل، فوصل تسليحها إلى درجة عالية من القوة فلم يمكننا تحقيق أي نصر بعد ذلك حتى قيامنا بآخر معركة اشتركت فيها وهي معركة نجبا Nagba. 
وعندما انتهت الهدنة الثانية واستأنفنا القتال صدرت الأوامر لقائد كتيبتنا التاسعة 
محمد كامل الرحماني بالإعداد والاستعداد للهجوم على مستعمرة نجبا


معركة نجبا 
قبل المعركة بيومين قمنا مع قائد الكتيبة باستكشاف تفصيلي لأرض المعركة وبعد انتهائنا من الاستكشاف الأرضي ركبنا طائرة فاستكملنا بها عملية الاستكشاف من الجو
وفي صباح يوم المعركة أخذ كل منا موضعه حسب الخطة التي أخذت تتكرر قبل كل معركة منذ معركة دير سنید» و «نیتساليم». فبدأت المدفعية في الضرب التمهيدي ونحن خارج مرمى نيران أسلحة العدو الخفيفة. وتلا ذلك عملية التقدم على مراحل تخللها ضرب متقطع للمدفعية وفي المرحلة الأخيرة عندما اقتربنا من الأسلاك الشائكة فوجئنا بنيران هائلة تشتعل من داخل خندق عميق يحيط بالمستعمرة من جميع الجهات، فتوقفنا عن التقدم، والنيران تزداد اشتعالا وكلما قاربت على الخمود تعاود الاشتعال مرة ثانية فيصعب على جندي المشاة اجتياز الخندق لعمقه واتساعه . فتعطلت عملية الهجوم وبذلك تأخرت عملية الاقتحام النهائي
وتولاني الملل والإجهاد من طول الانتظار وحرارة الشمس الحارقة ورأيت خلفي إحدى المدرعات المشتركة في المعركة فزحفت أنا والشاویش وهبة لنحتمي تحت هذه الدبابة من حرارة الشمس الشديدة وانتظارا للفرج
وأخذت أفكر في إمكانية تكرار عملية الاقتحام كما قمت بها في تبة الفناطيس . بدأت في عمل الاختبار التقليدي برفع الخوذة على طرف السنكي بعد الزحف قليلا من تحت الدبابة إلا أن نيران العدو كانت تنهال على الخوذة كدليل على تمام استعداد العدو وتيقظه وسلامة خطوطه الدفاعية في حماية مانع النيران الرهيب الذي منحهم الوقاية الكافية لكي يعيدوا تنظیم خطوطهم الدفاعية التي أصابتها المدفعية المصرية خلال عملية الضرب التمهيدي
وبعد أن قمت باختبار مدى يقظة العدو عدت مرة أخرى تحت الدبابة صارفا النظر في هذه اللحظة عن المجازفة بعملية اقتحام بمفردي. ويبدو أن الشاویش وهبة في هذه اللحظة كان قد أصابه التعب من الوضع الذي استقر عليه تحت الدبابة ومن ضيق المساحة، فحاول أن يستلقي على جنبه فرفع جنبه الآخر فأصيب في الحال وتأوه بشدة ولكنه دون أن يشعر رفع جنبه الآخر فأصيب فيه وبعد فترة ترك لي 

الشاویش وهبة سلاحه واستأذن في الانسحاب زاحفا إلى الخلف. وعندما لاحظ العدو حركة الشاويش تحت الدبابة توالت النيران المركزة على موقعي، فقررت التحرك من تحت الدبابة إلى مكان آخر. وقبل أن أهم بالزحف ناديت على جندي كان يرقد بجانبي فلم يجبني، فأخذت أدفعه بيدي كي أنبهه ليشترك معي في عملية الزحف ولكنه كان جثة هامدة. أصبح في عداد الشهداء
وانسحبت إلى العراء والشمس المحرقة ثانية ، وبعد طول انتظار عاودت تجربتي برفع الخوذة فلم تصدر أي طلقات فاعتقدت أن اللحظة الحاسمة قد جاءت معتقدا أن المدفعية المصرية قد نالت من خطوطهم الدفاعية ، فنهضت للاقتحام فلم أشعر إلا ودانة هاون من العدو تنفجر بالقرب مني فانبطحت أرضا على الفور وتوالت دانات الهاون حولي فلم أشعر إلا والدماء تسيل من ساعدي وأحمد الله أن الدانات لم تصبني إصابة مباشرة ، فقط أصابتني شظايا متناثرة من دانات العدو ، تم إخلائي للخلف فأجريت لي عملية سريعة لتنظيف الجرح في المستشفى الميداني المتنقل، ثم رحلت في قطار الجرحي إلى مستشفى القاهرة. وعلمت وأنا في القطار أن النيران في خندق العدو استمرت مشتعلة حتی مغرب ذلك اليوم وأن الهجوم المصري توقف مع انسحاب القوات المصرية فلم تستكمل هجومها بأي هجوم ليلي
وصل قطار الجرحى الذي أقلنا من الجبهة حتى محطة إمبابة خلف کازینو الكيت كات استعدادا لإخلائنا ونقلنا إلى مستشفى العجوزة، ولشدة دهشتی سمعت أصوات الموسيقى الراقصة الصاخبة وهي تنبعث من ملهى الكيت كات وكان البلاد لم تكن تخوض حربا يسقط فيها العديد من الجرحى والقتلى كل يوم، وأخذت أناجي نفسي «فرح وفساد هنا وتقشف وموت هناك». وفجأة تعالت صفارات الإنذار لتصم آذان القاهرة منذرة بقيام إسرائيل بغارة جوية . لقد أصبح لدى إسرائيل طائرات قادرة على التجرؤ بضرب القاهرة والفضل للهدنة وتعزيزات الدول الكبرى
عند وصولي إلى المستشفى سمعت أخبارا زادت من جزعي ، ونهضت محاولا ارتداء ملابسي . كانت الغارة الجوية الإسرائيلية على القاهرة قد أسفرت عن تهدم أحد المنازل بحي عابدين وبالذات في شارع البراموني وهو نفس الشارع الذي يقع فيه منزل الأسرة وتقطن فيه والدتي وشقيقاتي الأربع
AM 
وحاولت الخروج للاطمئنان عليهم ولكن أحد الأطباء الشبان منعني وأصر أن يذهب هو، وبالفعل عاد وبصحبته شقيقتي الكبرى التي فوجئت بي وطمأنتني على سلامتهم وإن كان أحد المنازل المجاورة لنا قد تهدم فحمدت الله وشكرته على سلامة الأسرة
ومرت علينا الأيام بالمستشفى وأخبار الجبهة تصلنا عن طريق إخوتنا من الضباط والجنود الجرحى الذين توافدوا على المستشفى في أعداد كبيرة، كان الموقف يزداد سوءا مع مرور الوقت وعلمنا بحصار کتيبة كاملة بأسلحتها المعاونة في «الفالوجا » إلا أن الكتيبة صمدت صمودا رائعا والعدو يحيط بها من كل مكان، ولكنها تمكنت من صد جميع الهجمات بإصرار، وأن قوافل التموين المسلحة تمكنت كذلك من اختراق هذا الحصار والوصول بالمؤن والذخائر للرجال المحاصرين. كما بلغني أن كتيبتي التاسعة حوصرت هي الأخرى ولكنها تمكنت من الانسحاب إلا أن الانسحاب كان غير منظم فأصابتها خسائر كثيرة. وتوالت ضربات العدو حتى أمكنه مطاردة القوات المصرية داخل حدود مصر بالقرب من العريش
ومع نهاية حملة فلسطين فشلت مصر في تحقيق النصر المرجو فکان سوء الإعداد، وتردي مستوى القيادة العسكرية العليا بالإضافة إلى ضعف وتبعية القيادة السياسية العربية عامة والمصرية خاصة . كانت جميع هذه الأسباب وراء ضياع حياة وتضحيات شباب المقاتلين المخلصين. وزادت في الوقت نفسه من سخط وتبرم الضباط وأكدت لهم سلامة مشاعرهم تجاه مستعمري وحكام البلاد. وبدأ الموقف السياسي يتدهور
الأسلحة الفاسدة 
لقد قيل الكثير عن أسباب هزيمتنا في حملة فلسطين، وعن الأسلحة الفاسدة ولكني كضابط مشاة اشتركت في بعض معارك فلسطين وتعاملت مع أسلحة المشاة ومع الأسلحة المساعدة حتى تمت إصابتي في معركة «نجبا» لم أتعامل مع أية أسلحة أو ذخائر فاسدة أثناء العمليات
ولكن بعد إيقاف القتال وإبرام اتفاقية الهدنة أثير هذا الموضوع في الصحافة وأجرى تحقيق فيه تحت إشراف النائب العام وثبت أن عمولات كبيرة استولت عليها شخصيات لها صلات وثيقة بالقصر، وبالحكومة وذلك عن طريق التوسط لشراء السلاح للجيش المصري أثناء الحملة . وثبت أيضا أن هذه الشخصيات تمكنت من شراء كثير من الأسلحة والمعدات والعربات وبعض الطائرات من طراز فيات ، فاستولوا على عمولات كبيرة بالقرب من نهاية الحملة . كما ظهرت الأسلحة والذخائرة الفاسدة خصوصا في سلاح المدفعية وذلك خلال المراحل الأخيرة من الاشتباكات في الفترة ما بين الهدنة الثانية وهدنة إيقاف القتال النهائية . وضبط الكثير من هذه الأسلحة والذخائر الفاسدة موضوع هذه الصفقات المشبوهة بمعرفة 
لجنة عسكرية مدنية مشكلة بأمر النائب العام
من لطف الله أنه يتم توزيع أغلب هذه المعدات الفاسدة على القوات المحاربة 
حيث إن اتفاقية الهدنة كانت قد أبرمت، وانتهى القتال
ضابط في السجن الحربي 
بعد ترقيتي استثنائيا إلى رتبة اليوزباشي، وبعد شفائي ، انتدبت للعمل بالسجن الحربي، وكانت ميزة هذا المكان أنه كان في القاهرة التي يمكنني منها الاتصال بالحركات الوطنية
تولیت وظيفة أركان حرب السجن الحربي طوال فترة خدمتي فيه. كان قائد 
السجن الحربي أمين مصطفى الخشاب والذي كانت له مواقف وطنية رائدة سأعرض لها في فقرات تالية. فضلا عن أنه قام بعمل لقاء بيني وبين جمال عبد الناصر على أساس أنه يرأس تنظيما آخر من الضباط الوطنيين. وكان الخشاب عضوا في هذا التنظيم وسأعرض لذلك أيضا في الجزء الخاص بلقاء عبد الناصر
ونقل الخشاب وحل محله القائد حافظ صدقي. وكانت فترة العمل بالسجن الحربي ميزة كبيرة لي، ولنشاطي السياسي، حيث كان لدي وقت الفراع الكافي الأبذل جهدا مضاعفا داخل تنظيم الضباط الوطنيين أو في العمل السياسي نفسه وتدوین مذكراتي السياسية
عودة إلى النشاط السياسي 
بعد انتدابي للعمل بالسجن الحربي، كان لدي وقت فراغ كبير أمكنني فيه أن أعاود النشاط السياسي، والاتصال بمختلف التنظيمات الوطنية في القاهرة. كما خصصت وقتا كافيا أيضا لمعاودة التدريب على لعبتي الرياضية المفضلة : السيف والشيش وتم اختياري في فريق مصر في البطولة الدولية التي أقيمت بأستوکهلم في السويد عام ۱۹۰۱
میر 
أعود للناحية السياسية ، فأذكر أنني عاودت الاتصال بمجموعة الضباط الوطنيين السابق ذكرها. استأنفنا الاجتماعات ولكن بعد خروج عدد منا للانضمام إلى تنظيم الحرس الحديدي الذي يعمل مع الملك فاروق وكان حلقة الاتصال بينهم وبين الملك هو الطبيب يوسف رشاد . والبعض الآخر تخلف عن حضور الاجتماعات وكنا نعلم أنهم انضموا إلى تنظيم آخر مع جمال عبد الناصر وزكريا محيي الدين وكمال حسين ويوسف منصور صديق وغيرهم. وعلمت أيضا أن القائد محمد نجيب انضم لهم. ولكني إلي هذا الوقت اكتفيت بالنشاط داخل التنظيم القديم. وكنت أعتبر أن أي مجموعة وطنية من الضباط يمكنها أن تكون تنظیما، مهما تعددت التنظيمات فإن أهدافها ستكون واحدة وسوف تصل في النهاية إلى تحقيق هدف واحد في حدود خدمة بلادنا ما دامت كل تلك التنظيمات بعيدة عن القصر والأحزاب المحترفة، وغير مرتبطة بأي تنظیمات مدنية سرية أخرى، ونشط تنظيمنا نشاطا كبيرا خصوصا من ناحية تجميع معلومات عن مساوئ الملك ورجال القصر والحاشية والأحزاب وتجاوزات السفير البريطاني، وبهلوانية أعضاء برلمانات الأغلبية الحزبية وكما زاد نشاطنا في تثقيف أنفسنا سياسيا، كنا نتدارس التجاوزات والمآخذ على ضوء الأحداث السياسية اليومية. وكنا نسجل تلك التجاوزات و مجموعة منا كانت تحرر المنشورات، وتشرح وتفند مساوئ تلك التجاوزات وتعليقنا الوطني عليها. كنت مكلفا بالطبع والتوزيع في حلقة ضيقة جدا يشاركني فيها أحد الشبان الأقارب لي فقط (زيادة في الحرص) وكان التنظيم يزودني بعناوین منازل المرسل لهم المنشور سواء من الضباط أو من المدنيين أو الهيئات. وشيئا فشيئا ازدادت دائرة توزيع هذه المنشورات كلما زاد کشف التوزيع اتساعا لمعرفة المزيد من العناوين الخاصة. وكانت المنشورات توزع بالبريد على بعض الهيئات الشعبية والضباط والسياسيين والصحفيين . وكانت أمامي مشكلة الحصول على آلة كاتبة أنسخ عليها المنشورات وكذا ماكينة الطباعة الرونيو. أما عن الآلة الكاتبة فقد تمكنت من حلها ، فقد كان لي ابن عم محام كبير له مکتب بالعتبة الخضراء فوق محلات توت عنخ أمون الحلواني بأول شارع محمد علي وهو الأستاذ عباس فضلي المحامي وكأن - رغم فارق السن بيني وبينه صداقة حميمة وكان يعمل لديه ابن عمتي أحمد عفيفي الموظف في مصلحة التنظيم (مسئولة عن نظافة العاصمة) وذلك في وقت فراغه وكان يتولى 
الكتابة على الآلة الكاتبة الموجودة بالمكتب، وكنت أزور المكتب كثيرا. فلم يستجد شيء عند وجودي كثيرا بالمكتب. وكنت أنتظر عودة ابن عمي المحامي للمنزل وتوصيله إلى الترام الذي يركبه متجها إلى مسكنه بالعباسية ونعود أنا وابن عمتي أحمد عفيفي أبو الفضل ونفتح المكتب بالمفتاح الذي لديه بصفته موظفا بالمكتب . وأتولى أنا إملاء المنشور عليه وهو يكتبه وكانت ماكينة الآلة الكاتبة من صنف قديم جدا ماركة Underwood أتذكر ذلك جيدا لأني كنت أعلم أن آلات الكتابة الحديثة توجد لدى القلم السياسي، أو القسم المخصوص صورة من كتابتها وحروفها جميعا، ولكن هذه الآلة الكابتة بالقطع لم يكن لديهم علم بها لأنه بعد أن جازفت بعمل منشور عليها لأول مرة لم يحدث أي رد فعل فواصلت استعمالهما دون علم ابن عمي، صاحبها
أما عن آلة الطباعة . فقد وفقت إلى صديق وزميل من أيام الدراسة الثانوية كان والده يملك مكتبة كبيرة بها آلات طباعة رونيو للبيع . وأمكنني عن طريق صديقي أن نستعير من والده إحدى آلات الطباعة القديمة بحجة أنه سيطبع عليها في منزله مذكرات للطلبة في الجامعة، ونجحت في أن أستعيرها منه من وقت إلى آخر کلما شرعت في طبع أحد المنشورات. وكان الطبع يتم أيضا في شقة ابن عمتي أحمد عفيفي بشقته أعلى المنزل، بحي السيدة زينب
وكان يساعدني هو في عملية الطبع. ثم يقوم بيده اليسرى بكتابة العناوين على 
مظاريف التوزيع العادية
أما عمليه التوزيع فإنه أمكنني بعد حملة فلسطين، أن أشتري من مدخراتي عربة صغيرة فيات موديل بليلة فقد كنت أقوم وحدي وبعربتي البليلة بالتوزيع بإسقاط كمية من المنشورات في كل صندوق بريد أجده في طريقي وكنت أبدأ من مصر الجديدة إلى باقي أحياء القاهرة ولأجل اختبار مدى تأثيرها على الضباط كنا ندعو في بعض هذه المنشورات إلى اجتماع بنادي الضباط بالزمالك . في يوم وساعة محددتين . أما لجنة تحرير المنشور فكانت مكونة من الزملاء : مصطفی نصیر وعبد الحميد كفافي وأبو الفضل الجيزاوي . وكانت تلك المنشورات ترسل وتوزع أيضا على جميع دور الصحف ورؤساء التحرير بل والذين نكتب ضدهم المنشور من السياسيين والمفسدين
وكانت الاجتماعات التي ندعوا لها بالمنشور يحضرها أعداد كبيرة من كبار وصغار الضباط. وكان يواظب على حضورها جميعا اللواء محمد نجيب وشقيقه اللواء على نجيب. لم يكن يتم في تلك الاجتماعات أي نشاط أو كلام بالطبع، وكنا فقط في شبه مظاهرة لا يعرف منظمها والكل يسلم على الآخر ونتناول المشروبات الخفيفة ، ثم الأحاديث العادية، وكل منا ينظر للآخر في ريبة وتخمين 
الاستكشاف من هو مصدر هذه المنشورات والدعوة إلى هذه الاجتماعات
الحصول على السلاح 
تعرفت في نادي السلاح إلى الزميلين صلاح دسوقي وحسن التهامي وكانا في تنظيم وطني على صلة بعزيز المصري باشا، وذهبت عدة مرات مع صلاح دسوقي المقابلة عزيز المصري. وكان فعلا هو الأب الروحي لمعظم المكافحين الوطنيين ولكن لم يفاتحني أي منهم في دخول أي تنظيم ولم أعرف أكثر من أنهم كانوا يجتمعون لديه للحديث في الأوضاع المقلوبة بالإضافة إلى الأحاديث الثقافية . ولكن صلاح دسوقي فاتحني في أحد الأيام عما إذا كان يمكنني أن أحصل لهم على أسلحة وخصوصا المدافع الرشاشة (البرن) وكان لي أحد المعارف ممن يعملون في سلاح الصيانة بالجيش. فقد فاتحته في ذلك وذهبت لزيارته بمنزل في مكان بالقرب من القلعة . وكان منزله عبارة عن حوش کبیر به حجرات في منطقة المقابر
وعرض علي للفحص كثيرا من هذه الأسلحة يحتفظ بها في خندق تحت أرضية الغرفة . اتفقت معه على الأثمان ثم اتصلت بصلاح دسوقي وحسن التهامي وذهبنا سویا بعد عصر أحد الأيام وأخذنا ترام رقم ۱۳ من العتبة حملنا إلى القلعة واستلمنا مدفعين رشاشين مفكوكين بعد أن دفع صلاح الثمن. وأحضر لنا هذا التاجر صحفا كثيرة لففنا قطع المدفعين في ثلاث لفات كل منا حمل جزءا منها وركبنا الترام وعدنا إلى نادي السلاح بحديقة الأزبكية، وحفظناها بدواليب ملابسنا الخاصة بنا ، كل الفة في دولاب إلى أن أحضر حسن التهامي عربة في اليوم التالي وأخذها فيها وتكررت عملية شراء السلاح عدة مرات. وعلمت فيما بعد عند إلغاء معاهدة ۱۹۳۶ أن هذه الأسلحة كان يستعملها أعضاء تنظيم عزيز المصري في مقاومة الإنجليز بالقنال
۹۶ 


موقف وطني لا ينسى 
في أواخر عام ۱۹۵۱ كنت لا أزال أعمل بالسجن الحربي. وفي أحد الأيام، عقب عودتي من التفتيش على السجن الحربي بالإسكندرية ، حيث قضيت يومين هناك وبمجرد دخولي من باب السجن بالعباسية، لكي ألتقط سيارتي (الفيات) البليلة الخضراء التي كنت قد تركتها بفناء السجن، تم إبلاغي أن قائد السجن أمين مصطفى الخشاب ينتظرني عند العودة وعلي أن أتوجه إلى مكتبه فورا
دخلت على قائدي فبادر بإخباري أن قائد البوليس الحربي عصام المصري حضر إليه بالأمس خلال وجودي بالإسكندرية ومعه کشف بأرقام سبع أو ثماني سيارت مدنية .. وأن إحدى هذه السيارات خضراء اللون وقد شوهدت في إحدى الليالي خلف قسم عابدین، ترجل منها شخص أسقط رزمة من المظاريف في صندوق البريد المثبت خلف جدار قسم عابدين. وسأل الخشاب قائد البوليس الحربي لماذا يتم البحث عن سبع أو ثماني سيارت ما دامت السيارة المشتبه فيها واحدة؟ فأجابه بأن عسكري البوليس لم يتمكن من قراءة جميع أرقام السيارة ربما لعدم إجادته القراءة أو لأن الإضاءة ليلا لم تكن كافية أو لكلا السببين معا. ولذلك تمكن من التقاط رقمين فقط من أرقام السيارات الستة. وأن البوليس اتصل بقلم المرور الذي أحضر کشفا بعدد السيارات التي يشترك فيها هذان الرقمان، ومن المتوقع أن تكون من بينها سيارة خضراء اللون وأنه قد تم حصر سبع أو ثماني سيارات مدنية ، وإحدى هذه السيارات مملوكة لضابط بالجيش المصري يعمل بالسجن الحربي واسمه محمد عبد الفتاح أبو الفضل ولذلك جاء قائد البوليس الحربي للتأكد من رقم ولون هذه السيارة
عند ذلك الحد توقف الخشاب عن سرد القصة وسألني مبتسما إن كنت فعلا قد 
۹۵ 


اشتركت في توزيع أي منشورات فأنكرت بطبيعة الحال، وكان الخشاب ضمن من وصلهم أحد هذه المنشورات، فأخرج المنشور من درج مكتبه وسلمه لي وهو يضحك . ثم قال إنه ذكر لقائد البوليس الحربي أن العربة التي جاءت بالكشف والتي أملكها ليست خضراء اللون ولكنها ذات لون رصاصي غامق وبذلك انتهى الموضوع عند هذا الحد (حيث إن ألوان السيارات في ذلك الوقت لم يكن يتم تدوينها في رخصة السيارة) فإذا ما تم تغيير لون السيارة لن يكون في وسع قائد البوليس الحربي أن يتأكد من شيء. وابتسم قائدي الخشاب وهو يصافحني قائلا إنه قد حان الوقت لأن أسرع بالعودة إلى المنزل، لأخذ سيارتي فورا لكي أدهنها باللون الرصاصي الغامق فورا 
وبالفعل تركته وذهبت لكي ألتقط سيارتي من جراج السجن وتماوجت في داخلي مشاعر الدهشة والامتنان وأنا أنظر إلى سيارتي التي وجدت لونها قد تبدل فعلا من الأخضر إلى الرصاصي الغامق. وعلمت بعد ذلك أن القائد الخشاب بعد انصراف قائد البوليس الحربي بادر بإحضار عدد من المسجونين الذين يجيدون دهان السيارات فقاموا في وقت قصير بإزالة اللون الأخضر تماما . ثم قام قائدي واشترى على نفقته مسدس «دوكو»، وكلفهم بالدهان والتلميع حتى تبدل لون السيارة
لم ولن أنسى هذا التصرف الرجولي من قائدي الخشاب الذي يعبر أصدق تعبير 
عن علاقات الإخاء والرجولة والشهامة والوطنية في تلك الأيام
في اليوم المذكور، قبل قيامي بمهمة التفتيش على سجن الإسكندرية ببضعة أيام كان على أن أقوم بتوزيع أحد المنشورات التي كان يقوم بتحضيرها تنظيم الضباط الوطنيين. وعندما قمت بتوزيع آخر دفعة من هذا المنشور كان لا يزال في حوزتي فائض منها، وأنا عند سینما رویال (مسرح الجمهورية حاليا) بشارع إبراهيم باشا وهي قريبة من منزلي في طريق عودتي من المحطة وجدت صندوق بريد خلف قسم عابدین، فتركت السيارة أمام سینما رویال وأسقطت المظاريف بالصندوق وعدت مسرعا مستكملا طريقي إلى المنزل. ويبدو أنه لكثرة تعدد توزيع المنشورات بواسطة البريد قام القلم السياسي (القسم المخصوص) بمراقبة بعض صناديق البريد، وكان هذا الصندوق ضمن الصناديق المراقبة


لقاء مع عبد الناصر 
بعد مرور عدة أيام على هذه الأحداث کانت مشاعر عدة لا تزال تسيطر علي كنت لا أزال متأثرا من الموقف الوطني لقائدي الخشاب وزاد من تأثري عدم قدرتي على إبداء امتناني وشكري حتى لا أنكشف أكثر من ذلك ، كذلك استوعبتني مشاعر الضيق لعدم توافر الحرص الكامل أثناء العمل في المنشورات
وقبل أن أفيق من هذه الحالة فاجأني الخشاب بالزيارة في مكتبي، وعلى انفراد أبلغني أن جمال عبد الناصر پرید مقابلتي وعلي أن انتظره بعد موعد العمل ظهرا حتی ننصرف سويا في سيارة الخشاب لمقابلة جمال
وكانت معلوماتي عن عبد الناصر في ذلك الوقت أنه أحد الضباط الذين تم حصارهم في الفالوجا خلال حملة فلسطين حيث كان أركان حرب القوة المحاصرة. وخلال الحصار عرف عنه هدوء الأعصاب كما تميز بالتصرفات القتالية الدقيقة الفعالة فأظهر شجاعة لم ينكرها زملاؤه وجنوده . وبرغم توالي الهجوم الإسرائيلي على القوة المحاصرة تمكن مع زملائه من رفع الروح المعنوية للمقاتلين المصريين. واستمر موقع الفالوجا صامدا حتى أبرمت اتفاقية الهدنة الأخيرة
وعلمت أيضا أنه أثناء الحصار تعرف على نخبة من الضباط الشبان كان من أبرزهم زكريا محيي الدين ولطفي واکد وسعد الجمال والضابط كشك. وبعد عودتهم من فلسطين كون عبد الناصر مع لفيف من الضباط تنظيما سريا انتشر على شكل خلايا
وخلال عملي في السجن الحربي كان عبد الناصر وصلاح وجمال سالم يكثرون من التردد على الخشاب ولذلك عندما أخبرني بأن عبد الناصر پرید مقابلتي استنتجت أن يكون الخشاب قد أخبر عبد الناصر بواقعة الاشتباه وأن الخشاب قد يكون من ضمن التنظيمات الثورية للضباط التي لها علاقة بتنظيم عبد الناصر
وصلنا إلى منزل عبد الناصر وكان في منشية البكري في الحي المقابل للمدرسة الثانوية العسكرية ، وجلسنا في حجرة بالدور الأرضي تطل على الشارع . وأثناء الحديث أبلغني أنه يعلم أنني أساهم مع جماعة أخرى في طبع وتوزيع المنشورات وأن هذه الجماعة التي أنتمي إليها سبق واعتقل عدد كبير منها(۲۹ ضابطا في إله 
أكتوبر ۱۹۶۷ وأن نشاطنا مكشوف بعض الشيء حيث أصبح لبعض أعضاء هذا التنظيم سجلات في ملفات القلم السياسي بالداخلية ولو أنني شخصيا لم يتم اعتقالي
وتوقف قليلا ثم أخبرني أن لديه منشورا يريدني أن أتولی نسخه وطبعه وتوزيعه. واتفقنا على موعد ومكان اللقاء لأستلم منه مادة المنشور وذلك أمام محلات حلاوة بميدان العتبة الخضراء . وفي الموعد والمكان المحددين ( أمام محلات حلاوة بالعتبة ) وصل جمال عبد الناصر مستقلا سيارته الصغيرة السوداء. وسلمني مظروفا به المنشور محررا بخط اليد وكمية من أوراق الطبع الاستنسل. وطلب مني استلام ماكينة الطباعة من صلاح نصر الذي ينتظرني في مدرسة الشئون الإدارية بالجيش على أن أعيدها له بعد إتمام الطبع
كالمعتاد ذهبت بالمظروف إلى مكتب ابن عمي المحامي وانتظرت حتى قمنا باصطحابه - كالعادة أيضا - إلى محطة الترام، ليعود إلى منزله ثم عدنا مرة أخرى إلى المكتب . كان منشور عبد الناصر مطولا ، يحتاج إلى عدة صفحات مما يصعب من عملية توزيعه داخل المظاريف الصغيرة. وبالفعل أعدت كتابة المنشور بعد اختصاره بحيث احتفظت بجميع عناصره وبحيث لا يتعدى صفحتي فولسكاب . وفي اليوم التالي ذهبت حسب الاتفاق لصلاح نصر واستلمت منه ماكينة الرونيو 
الطباعة التي حملتها في عربتي ليتم الطبع بمنزل ابن عمي بالسيدة
وبعد أن تم طبع وتوزيع المنشور التقيت مرة أخرى بجمال عبد الناصر، فحذرني 
ثانية بأن تنظيمنا مکشوف وعلينا أن نكون أكثر حرصا وحذرا
ومن الطريف أنه خلال كتابة منشور عبد الناصر في مكتب ابن عمي سمعت أزيز آلات التنبيه التابعة للشرطة ، فخرجت من باب المكتب ووقفت على بئر السلم التابع اللمبني لأرى بنفسي ماذا يحدث ففوجئت بجنود ومخبري الشرطة ، يصعدون مسرعين فأنطقني الله بذكره طالبا حمایته. وأصابني و جوم الخوف فإذا بقوة الشرطة تتركني متجمدا في مكاني على السلم وتنطلق إلى الأدوار العليا لتدهم شقة كانت تدار لأعمال مخلة بالآداب



۲۳ يوليو على الأبواب 
بعد إلغاء معاهدة سنة 1936، كانت حكومة الوفد شبه جادة في مساعدة أعمال المقاومة. واتخذت إجراءات مدنية وعسكرية لاحتمال عودة الجيش الإنجليزي من القنال لاحتلال القاهرة. لذلك صدرت أوامر رئاسة الجيش باتخاذ مواقع دفاعية عن القاهرة، ووضعت خطة عسكرية لذلك، كان من نصيبي أن أكون بالكتيبة التاسعة مشاة، والوحدة التي أقودها مكلفة بالدفاع عن منطقة مطار إنشاص ضد نزول القوات البريطانية
وعند وصولي لموقع مطار إنشاص مع ضباطي وجنودي، تحدثت معهم في بادئ الأمر بأن هذا واجب وطني، ويجب علينا أن نكون عند حسن ظن شعبنا. ولذلك يجب أن نبذل مجهودا شاقا في التدريب
وبدأت بتنفيذ خطتي ، فوضعت عددا كافي من البراميل المملوءة زلطا وحجارة ورمالا على ممرات الطائرات وبشكل مكثف ليعوق تماما نزول الطائرات المعادية بالمطار، وقمت باختيار أماكن دشم متبادلة (مواقع ضرب نار دفاعية) تحقق تكاملا دفاعيا تاما، بحيث تغطي الدشم بعضها بالنيران فإذا احتل العدو دشمة تستطيع الدشم الأخرى الضرب عليها . وأحضرت المواد المثالية لتكسية وتقوية وتعریش هذه الدشم على نمط دشم المواقع الإسرائيلية في مستعمراتهم والتي كانت أثناء حملة فلسطين - تقاوم هجوم من مقاومة شديدة وكانت هذه الدشم أيضا تغطي بنيرانها مواقع هبوط الطائرات (البراميل المملوءة رملا وحجارة) كذلك كانت الدشم تضرب في جميع الاتجاهات حتى إذا كان الهجوم من الأجناب والخلف أمكن التعامل معه. وبذل الجنود والضباط مجهودا شاقا في إعداد الدشم وخنادق المواصلات بينها لإخفاء تحركات الإمداد وتعويض الخسائر والإحلال وذلك في 
حماية من نيران العدو ووضعت خطة للراحة بحيث يكون الجندي والضابط في منتهى النشاط عندما يجد الجد. وأنشأت لهم مكانا للراحة وكذلك أماكن محفورة بعمق كبير لإخفاء العربات ووقايتها من الضرب ليسهل خروجها ودخولها إلى هذه الخنادق الكبيرة
وبعد إتمام هذه التجهيزات التي أخذت وقتا طويلا بدأت في تدريبهم على الاحتلال السريع للمواقع بمجرد أن يطلق الإنذار بالخطر، وأجرينا عدة تجارب حتى وصلنا إلى رقم قياسي في ذلك. وحضر ذات يوم للمرور أمين هويدي أركان حرب اللواء، وكان حضوره صدفة، وكنا وقتها نقوم بإجراء تجربة احتلال المواقع، وظل - قبل أن يقابلني - يراقب في إعجاب وتقدير هذا المستوى المرتفع من كفاءة الجندي المصري إذا أحسنت قيادته. | 
لقاء في القطار العائد إلى العريش 
أثناء حريق القاهرة كنت في إجازة ميدانية لزيارة أسرتي بالقاهرة، وبعد الحريق 
بيوم واحد. وكانت نهاية الإجازة - عدت إلى العريش بالقطار ( ۱ 
/ ۲۸/ ۱۹۵۲) وكنت قد حضرت حريق القاهرة وسرت مع المتظاهرين أشاهد ما يعملون إلى أن بدأ الشغب في ميدان الأوبرا فعدت إلى منزلي في عابدين فورا
وبمروري علي ميدان عابدین كان الميدان محتشدا بعربات ضباط الجيش وهم يغادرون وليمة القصر في عجلة من أمرهم . وبين وقت المغرب والعشاء کنت أسمع أصوات الانفجارات من منزلنا يتخللها أصوات إطلاق نيران. وصعدت إلى السطح بعد المغرب. وكان منظر القاهرة في منتهى البشاعة، دخان كثيب وكثيف ولهيب مرتفع وكان الدخان يكون سحابة قاتمة والإذاعة سكتت عن إذاعة الأنباء . وفي ساعة متأخرة علمنا من الإذاعة أن الجيش نزل إلى الشوارع، وأنه سيطر على الموقف
وأثناء وجودي بالقطار المتجه إلى العريش لأعود لوحدتي بعد الإجازة كان لقاء بالصدفة في أحد صالونات القطار بصلاح سالم وعبد الحكيم عامر- وكانا يعملان 
برئاسة القوات المصرية برفح - و تحدثنا مع لفيف آخر من الضباط عن أحداث حريق القاهرة، وكان حديثا عاصفا انعكست فيه مشاعرنا المكبوتة
وفجأة دخل علينا ضابط مخابرات اللواء وكنا نعرفه ونعرف ولاءه الكامل للسلطات الحاكمة مهما كان لونها أخذ يبحث - وهو واقف بالباب - عن مكان يجلس فيه معنا. وفجأة أيضا صمتنا جميعا في وقت واحد وأخذنا ننظر له في عدم ترحيب بوجوده معنا، ولحسن الحظ لم يكن هناك مكان له ولم يرد أحد الجالسين أن يفسح له مكانا بجانبه، وعاد وأعطانا ظهره بعد أن أغلق الباب علينا و أخذنا ۔ بعد أن غادرنا - نضحك في نفس واحد
وللأسف ، فإن هذا الضابط استطاع أن يحصل - فيما بعد على ثقة مجلس 
قيادة الثورة، وتبوأ مراکز حساسة جدا. | 
انتخابات نادي الضباط 
كانت لائحة نادي ضباط الجيش حتى آخر عام ۱۹۰۱ تقضي بأن يعين رئيس مجلس الإدارة والأعضاء بحكم مراكزهم في الجيش، وكانت تسخر إمكانيات نادي الضباط في غير صالح القاعدة الكبيرة من الضباط علاوة على إقامة الحفلات الساهرة في المناسبات الملكية من ميزانية النادي (حصيلة اشتراكات الضباط). 
ومنذ منتصف عام ۱۹۵۱ كان الجو العام في البلاد مشحونا بالسخط على الملك وحاشيته وعلي ساسة البلاد المستسلمين لإرادة الملك وكان الجو السياسي مشحونا بالتحفز الشعبي خصوصا أثناء المقاومة بالقنال . وكان الملك يستعين لفرض إرادته وتهديد خصومه واغتيالهم بزمرة من ضباط الجيش المغامرين، أطلق عليهم اسم الحرس الحديدي وهم : الدكتور يوسف رشاد ، وحسن التهامي ، ويوسف حبيب وخالد فوزي، وعبد الرءوف نور الدين، ومصطفی کمال صدقي، وحسن فهمي عبد المجيد ، وعبد القادر طه، وسيد جاد عبد الله سالم
وبلغ من خطورة دور هذا التنظيم الإرهابي أنه عندما اختلف الملك مع أحد أفراد الحرس الحديدي نفسه الضابط عبد القادر طه قام الحرس الحديدي باغتيال هذا الضابط بأوامر الملك. تلاقي السخط العام مع نفوس الضباط الثائرة، وانتهز 
۷۱ 
القائمقام أركان حرب رشاد مهنا مناسبة موعد تجدید مجلس إدارة نادي ضباط الجيش، والتي جرت العادة على تجديدها بالتعيين، وأراد أن يفتعل أحداثا فيها معنى التحدي لتصرفات الملك، تعبيرا عن حالة السخط في البلاد بصفة عامة، في الجيش بصفة خاصة. وتصدى رشاد مهنا لعملية التعيين في مناصب مجلس الإدارة، وأخذ منذ منتصف عام 1951 في الدعوة وسط زملائه من الضباط للمطالبة بإجراء تعديل للائحة بحيث تصبح جميع مراكز مجلس إدارة النادي بما فيها مركز الرئيس بالانتخاب من جمعية عمومية أعضاؤها جميع ضباط الجيش أعضاء النادي كالمتبع في كل نوادي الهيئات، واستطاع رشاد مهنا بعلاقته الواسعة، واتصالاته بضباط مختلف الأسلحة والوحدات من عقد اجتماع بنادي الضباط بعد منتصف عام ۱۹۵۱
اجتماع بنادي الضباط 
قبل هذا الاجتماع بعدة أيام وصلتني تعليمات من مجموعة الضباط الوطنيين السرية التي أنتمي إليها بضرورة حضور اجتماع في نادي الضباط في ميعاد محدد للبحث في موضوع تغير لائحة النادي والدعوة إلى اجتماع جمعية عمومية من 
جميع الضباط
وحضر عدد كبير جدا من الضباط الشبان وكانت النفوس جاهزة للتفاعل مع أي دعوة لإظهار التحدي المعبر عن السخط العام وسيطر رشاد مهنا على الاجتماع وكان ملخص كلامه أن نادي الضباط يجب أن يكون لخدمة الضباط وليس لغيرهم، ويجب أن يديره ضباط يمثلون مختلف الأسلحة وبإرادتهم . ولذا يجب تغيير اللائحة ليمكن انتخاب مجلس إدارة يمثل ضباط الجيش تمثيلا حقيقيا، وأن تكون هذه الانتخابات بإرادة الضباط وليس بإرادة آخرين أو بالتعيين
التهديد 
بعد أيام من الاجتماع السابق اتصل ضابط المخابرات التركي الأصل إسماعيل 
فرید (وكان له علاقة بالقصر الملكي) برشاد مهنا وأبلغه أن مولاه الملك غير راض 
۷۲ 
عن الاجتماع الذي تم بالنادي، وأفهمه رشاد مهنا أن موضوع الاجتماع والدعوة للجمعية العمومية كان بعلم رئيس أركان حرب الجيش ورئيس إدارة الجيش حيث سبق أن قابلهما رشاد مهنا وأبلغهما بهذا الاجتماع قبل انعقاده
وتأكد إسماعيل فريد والذي يمت للعائلة المالكة بصلة من علم رئيس هيئة أركان حرب ورئيس إدارة الجيش وسأل رشاد مهنا عن الحل لهذا الموقف، فأجاب رشاد مهنا أن الحل يتلخص ببساطة في التصديق على اجتماع الجمعية العمومية وإجراء الانتخابات.. 
دعوة لاجتماع الجمعية العمومية لنادي الضباط 
أصدرت إدارة الجيش كتابا دوريا يدعو الجمعية العمومية لنادي ضباط الجيش في الساعة الخامسة من مساء ۳۱ ديسمبر سنة ۱۹۵۱ بقاعة السينما الصيفي بقشلاق العباسية
رشاد مهنا وتنظيم جمال عبد الناصر 
قبل انعقاد الجمعية العمومية اجتمع رشاد مهنا مع تنظيم جمال عبد الناصر في منزل مجدي حسنين بعابدین وحضر الاجتماع كل من زكريا محي الدين وجمال سالم وعبد اللطيف بغدادي
واقترح عليهم في هذا الاجتماع رشاد مهنا أن يتضافر جميع الضباط للتركيز على عملية انتخابات نادي الضباط ليكون ذلك بمثابة اختبار لمدى قوة تنظيم الضباط في مواجهة الفساد الملكي خاصة إذا تعاون الجميع في إنجاح محمد نجيب ليكون رئيسا لمجلس إدارة النادي وهو المنافس لحسين سري عامر فإنه من سلاح الحدود ومرشح الملك، وبذلك بظهر الضباط تحديهم لإرادة القصر
انعقاد الجمعية العمومية 
في يوم 31 ديسمبر ۱۹۰۱ تم اجتماع الجمعية العمومية وحضر حوالي 455 ضابطا وهو أكثر من العدد القانوني الذي يقتضيه صحة اجتماع الجمعية العمومية 
۷۲ 
أكثر من۱۰٪ من مجموع أعضاء النادي من الضباط) وكان رئيس إدارة الجيش ورئيس هيئة أركان حرب عثمان المهدي باشا خارج قاعة الاجتماع ونبها على رشاد مهنا بعدم اعتلاء المنصة لأمر ما. وكان يدير الجلسة رئيس وأعضاء مجلس الإدارة السابق والمعينين، وكثر الجدل حول اقتراح تعديل اللائحة وكاد الاجتماع يفشل لولا أن طالب رئيس هيئة أركان حرب من رشاد مهنا أن يعتلي المنصة وإنقاذ الموقف وقام رشاد مهنا بالسيطرة على الموقف حيث اقترح في الحال ومباشرة عرض مشروع اللائحة الداخلية المقترحة وقرأها وكانت تتضمن صراحة على ضرورة إجراء الانتخابات، وعرضها للتصويت فحازت على الموافقة بأغلبية الأصوات وبالتصفيق المتواصل من أغلبية الضباط الحاضرين، وقام أحد ضباط سلاح الحدود والذي كان يقوده حسين سري عامر عميل القصر الملكي، وطالب بضرورة تمثيل سلاح الحدود بعضو في مجلس الإدارة الجديد. وعارض هذه الفكرة رشاد مهنا بحجة أن سلاح الحدود ويخدم به ضباط منتدبين من مختلف الأسلحة التي لها أماكن في مجلس الإدارة . وعرض رشاد مهنا هذا الاقتراح للتصويت ورفض الاقتراح بالأغلبية ثم انتقل رشاد مهنا مباشرة إلى عملية الانتخابات، وتمت عملية الانتخابات بسرعة وبهدوء، وأعلن النتيجة رشاد مهنا وكانت كالآتي
لواء أركان حرب أمير الاي أركان حرب قائم مقام أركان حرب بكباشي قائد جناح قائد أسراب بكباشي أركان حرب بكباشي صاغ قائم مقام بحري يوزباشي بحري 
محمد نجيب حسن حشمت رشاد مهنا إبراهيم حافظ عاطف بهجت مصطفی حسن إبراهيم زكريا محي الدين حمدي عيد جمال حماد أنور عبد اللطيف أحمد عبدالغني مرسي 
رئيس مجلس الإدارة عضوا عن الفرسان عضوا عن المدفعية عضوا عن المدفعية عضوا عن الطيران عضوا عن الطيران عضوا عن المشاة عضوا عن المشاة عضوا عن المشاة عضوا عن البحرية عضوا عن البحرية 
۷۶ 
يوزباشي 
أمين شاکر عضوا عن الإشارة بكباشي أركان حرب مهندس إبراهيم فهمي دعبس عضوا عن المهندسين بكباشي مهندس عبد العزيز الجمل عضوا عن الصيانة أميرالاي صيدلي عياد صلیب عضوا عن الخدمات الطبية بكباشي 
عبد الرحمن أمين عضوا عن خدمة الجيش بكباشي متقاعد جلال ندا عضوا عن المحاربين القدماء قائم مقام 
عبد الرحمن فوزي عضوا عن المهمات 
يوزباشي 
يحيى الحرية إمام معين عن الحاشية العسكرية 
اختباروانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي 
في أول اجتماع لمجلس إدارة النادي المنتخب الجديد يوم 1 يناير سنة ۱۹۵۲ تم 
انتخاب رئيس وأعضاء المكتب التنفيذي لمجلس الإدارة وكان كالأتي: أمير الآي أركان حرب حسن حشمت 
عبد الرحمن أمين سكرتيرا عاما 
قائد أسراب 
حسن إبراهيم السيد سكرتيرا مساعدا يوزباشي بحري أحمد عبد الغني مرسي سكرتيرا مساعدا يوزباشي 
أمين شاكر 
سكرتيرا مساعدا 
بكباشي أركان حرب مهندس إبراهيم فهمي دعبس أمينا للصندوق 
وفي نفس الجلسة اتفق على البدء في اتخاذ إجرادات من شأنها أن تشعر القاعدة العريضة من الضباط الذين يرتادون النادي بأن هناك تغييرا شاملا قد حدث في خدمات النادي حتى تكون معبرة عن مطالب الضباط جميعا وليس للقلة وذلك حتى تستعاد الثقة من الضباط في قادتهم وحتى يقبلوا على ارتياد النادي لتتسع دائرة التقارب والتعارف بين مختلف ضباط الأسلحة ثم قام أعضاء مجلس الإدارة بالذهاب إلى قصر عابدين وقيدوا أسماءهم في سجل التشريفات بمناسبة انتخابهم وكان الهدف من ذلك هو تأجيل الصدام مع القصر الملكي
نائبا للرئيس 
بكباشي 
۷


رشاد مهنا يتجنب المشكلات 
بعد نجاح عملية الانتخابات عمل رشاد مهنا على نقل نفسه إلى العريش حتی يبتعد عن الأضواء التي سلطات عليه كمحرك لعملية الانتخابات باعتبارها تحد للقصر ورجاله، وفي نفس الوقت ليكون على اتصال بأكبر تجمع للجيش باعتبار العريش أكبر قاعدة عسكرية وقتها، ولتجنيب الضباط المتصلين به بالقاهرة الاشتباه فيهم على أساس أنه سبق اعتقاله ، ومع ذلك استمر وداوم على حضور جميع اجتماعات مجلس إدارة نادي الضباط
فرض عضومن سلاح الحدود 
في يناير سنة ۱۹۵۲ اجتمع مجلس إدارة النادي اجتماعا طارئا ، دعا إليه رئيس المجلس محمد نجيب لعرض خطاب صادر إليه فجأة من رئاسة هيئة أركان حرب الجيش فيه تحد صارخ لما أجمع عليه ضباط الجيش ومخالفا لقانون النادي . ينص الخطاب على ضرورة تمثيل سلاح الحدود بعضو في مجلس إدارة النادي بحجة أن سلاح الحدود أصبح سلاحا قائما بذاته ، وأن ضباطه أصبحوا من قوته فعلا (برغم أن الجمعية العمومية في 31 ديسمبر سنة ۱۹۰۱ كانت قد قررت خلاف ذلك). وبالمناقشة قرر مجلس الإدارة أن خطاب رئاسة هيئة أركان حرب يعتبر مخالفا لنص المادة 8 باللائحة المصدق عليها من الجمعية العمومية، ولذلك اقترح مجلس الإدارة الموافقة على تعيين عضو من سلاح الحدود کمستمع فقط ، وليس له صلاحيات العضوية في مجلس الإدارة، على أن يعرض الأمر برمته على جمعية عمومية غير عادية يدعو لها مجلس الإدارة. وفعلا تم تحديد موعد في فبراير سنة ۱۹۵۲ ولكن نظرا لأحداث حريق القاهرة في ۲۹ ینایر سنة ۱۹۵۲ وما تبعه من طوارئ فقد تأجل میعاد اجتماع الجمعية العمومية غير العادية إلى وقت لاحق
استقالة سكرتير عام النادي 
في أوائل فبراير سنة ۱۹۵۲ انعقد مجلس إدارة النادي وقدم عبد الرحمن أمين في هذا الاجتماع استقالة من مركز سكرتير عام مجلس الإدارة، وقبلت استقالته في نفس الجلسة وتم ترشيح البكباشي إبراهيم حافظ عاطف قائد مدرسة المساعدة 
۷۹ 
الجوية حينذاك لمركز سكرتير مجلس إدارة النادي. ووافق المجلس عليه وأصبح سكرتيرا عاما واستمر عبد الرحمن أمين عضوا عاديا بالمجلس
ومساء يوم 16 يونيو سنة ۱۹۵۲ (في شهر رمضان) بنادي الضباط بالزمالك تم اجتماع الجمعية غير العادية والتي دعا لها مجلس الإدارة، وافتتح الجلسة البكباشي إبراهيم حافظ عاطف، ثم ترك المنصة إلى القائم مقام أركان حرب رشاد مهنا ليقوم بأعمال مقرر الجلسة
وأعلن رشاد مهنا عن الغرض من هذا الاجتماع غير العادي، وهو طرح موضوع ضرورة تمثیل سلاح الحدود بعضو في مجلس الإدارة، طبقا لخطاب رئاسة هيئة أركان حرب وأشار في الوقت نفسه إلى أنه كان قد سبق واتخذت الجمعية العمومية قرارا في ۱۹۰۱ 
۱۲ 
/ ۳۱ بعدم جواز تمثیل سلاح الحدود في مجلس الإدارة لأن ضباط الحدود منتدبون من الأسلحة المختلفة في مجلس الإدارة، وما زالوا على هذا الوضع حتى صدور خطاب رئيس هيئة أركان حرب، ثم فتح باب المناقشة، وكان أول المتحدثين المهندس جمال علام حيث استهل كلامه بالمطالبة بالوقوف حدادا علي روح الشهيد عبد القادر طه (برغم أن عبد القادر طه كان من ضباط الحرس الحديدي الذي شكله الملك فإنه عندما اختلف مع الملك أمر باغتياله على أيدي الحرس الحديدي نفسه. وكانت هذه المعلومات معروفة في وسط الضباط) ووقف جميع أعضاء مجلس إدارة النادي وجميع الضباط المجتمعين حدادا . تعبيرا عن تحدي المجتمعين - الممثلين لجميع ضباط الجيش - للملك وأعوان الملك بالجيش خاصة وبالبلاد بصفة عامة . ثم تلاه من المتكلمين عبد المنعم أمين ثم مجدي حسنين وآخرون والكل كان يؤيد رفض خطاب رئيس هيئة أركان حرب الجيش، ويعارضون تمثيل سلاح الحدود في مجلس الإدارة بأحد الأعضاء . حاول ضباط من السلاح البحري (أنور عبد اللطيف ومعه مجموعة أخرى من السلاح البحري) وبإيعاز ملكي الانسحاب ، وأفهمهم رشاد مهنا بأن خروجهم أو استمرار وجودهم سیان ولا يغير في الأمر شيئا حيث إنهم مقيدون في دفتر الحضور وفي محضر الجلسة قبل بدء الاجتماع. وحتى إذا لم يصوتوا فإن هذا لا يؤثر على رأي الأغلبية
ثم عرض مقرر الجلسة - رشاد مهنا - قرار رئيس هيئة أركان حرب للتصويت، 
۷۷ 
ورفض المجتمعون القرار بأغلبية الأصوات، وانتصر الحق على الباطل، وسقطت محاولة القصر لتمثيل سلاح الحدود بعضو في مجلس الإدارة
وفي مواجهة قرار الجمعية العمومية غير العادية برفض قرار رئيس هيئة أركان حرب، والذي كانت تصاحبه الرغبة الملكية لتحدي ضباط الجيش، وانتقاما من مجلس إدارة النادي، أخذ قادة الجيش الموالين للقصر في ممارسة ضغوط على أعضاء مجلس الإدارة كل على حدة، لإرغام أكبر عدد ممكن منهم على تقديم استقالة من مجلس الإدارة حتى تصل الحال إلى أن يفقد مجلس الإدارة صلاحيته القانونية، ويضطر لأن يحل نفسه بنفسه
وبالفعل، بعد مرور عدة أيام تقدم كل من المذكورين بعد، من أعضاء مجلس 
إدارة النادي باستقالاتهم من عضوية مجلس الإدارة كل على حدة وبالتتابع: (1) أميرالاي حسن حشمت نائب رئيس مجلس إدارة النادي ورئيس المكتب 
التنفيذي (كان من أعوان الملك). (۲) يوزباشي بحري أحمد عبد الغني مرسي - عن البحرية. (3) أمير الاي صيدلي عياد صلیب ۔ الخدمات الطبية. | (4) قائم مقام بحري أنور عبد اللطيف عضو البحرية ومدير مكتب القائد العام 
حيدر باشا. (5) يوزباشي يحيى الحرية إمام - العضو المعين عن الحاشية العسكرية. بالإضافة إلى 
بكباشي أركان حرب مهندس إبراهيم فهمي دعبس عن المهندسين (وكان قد استقال من قبل ذلك من عضوية المجلس وقبلت استقالته في أحد الاجتماعات
وخوفا من وصول مثل هذه المعلومات المضللة إلى عضوي المجلس الموجودين بالعريش، وهما القائم مقام أركان حرب رشاد مهنا. وقائد الجناح بهجت مصطفی فقد تطوع قائد الأسراب حسن إبراهيم بالسفر إلى العريش على أول طائرة حربية واتصل بهما، وأعلمهما أن مجلس الإدارة، سوف يصمد لكل الضغوط برغم استقالات بعضهم. ولما لم تنجح ضغوط قادة الجيش في التأثير على أغلبية الأعضاء


جنرال بهاء الشامى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

رحلة القطار 5

  لبرهه كانت كل علامات الإرتباك والخوف تظهر على ملامح وجه أنجى ونظرت نحو الصوت فكانت مفاجئتها أن محدثتها هى مديحه صديقتها   أخص عليكى خض...